التلقي الإلكتروني.. المشاهد داخل الفيلم افتراضيا

الأحد 03 أيار 2020 312

التلقي الإلكتروني..  المشاهد داخل الفيلم افتراضيا
محمد يونس
 
 
بعد سيرورة وحراك طويلين تجاوزا القرن، مرت السينما بتغيرات عدة، فبعد بداية شحيحة في العرض، الذي فشل في خلق تلقي مقنع، بل شهدت بداية السينما وجود مشاهد منبهرة بالصناعة الآليّة وليس بالمادة الفيلمية، وشهدت بداية عقود القرن العشرين تطورات مهمة، وخصوصا بعد ادخال عنصر الصوت نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وتطورت السينما تدريجيا في بعد التلقي الجمعي، بعد افتتاح الصالات الشتوية والصيفية ايضا، رغم أن الثانية أي الصالات الصيفية ما كانت تلقيا كما يعرف، بل كانت محطات استراحة، او هي تعبير أختير لغرض شخصي، فيما كانت السينما الشتوية، والتي تسميتها عرفا وليس كما يمثله مكان صالة العرض من سياقات خارج هذه التسمية، لكن تلك الصالات أسهمت بشكل كبير ليس فقط للتعريف بالسينما، بل خلقت أجيالا من عشاق السينما ومحبيها، فكانت فضاء حيويا للجذب والتعريف عبر عرض الفيلم، والمتعة والتشويق من خلال المشاهدة .

تفاوتت قيمة واهمية صالات العرض في كونها بنية مكانية ذات مواصفات خاصة، فبنية المكان كانت أبعد من أن تكون فقط صالة عرض ليس إلّا، وتكون مؤهّلة في حدود عرض الفيلم على المشاهدين فقط، بل كانت هناك تقنيات عدة، تتسابق من خلالها دور العرض، وذلك من خلال تطوير المكان تقنيا، ويشمل ذلك جميع المقومات المادية، فكان للصوت ميزته المؤثرة في التوظيف بمساحات جمالية، وليس مجرد فقط في حدود الأسماع، وكان لتطوير المؤثرات الصوتية دور حيوي في كسب عملية الصوت قيمة واهمية، ويشارك تطوير عنصر الصوت من جهة أخرى تطوير شاشة العرض، فقد جرى توسيع مساحتها بشكل فني، يمكنها من استيعاب أنظمة تصوير بلاغيّة، أي ليست نمطية، وكان لذلك تأثيره على التلقي، فكان انسداده أكبر، وتفاعله مع التطوير أكثر تشويقا .
لقد شهدت العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية تطورا مهما في البنية السينمائية، وفي جميع أبعادها التقنية منها، في الصناعة المادية للفيلم، من مقومات اساسية ومواد مستعملة، ومن استخدام للمثيرات الوظيفية والجمالية بوسائل مساعدة، وتسخير الوسائل المتاحة، للتأثير على المتلقي، وقد شمل هذا ايضا دور العرض، فصارت هناك دور عرض متحركة، وتجاوزت ما كانت عليه من ثبوت، قد يكون ملّها المتلقي، وهو يجلس لساعات ذات الجلسة، فضلا عما قدمه الحاسوب من دور، يعد نصرا تقنيا في غاية الأهمية، كونه نقل السينما من الواقع المحض الى حقيقته بصورة متخيلة تحتمل ما لا يحتمله ذلك الواقع، وهذا اثر في وعي المتلقي وطور اهتمامه ايضا، لكن المفارقة الكبيرة التي حصلت بعد تطور المعلومات الاتصالية بشكل سريع، قد لعب دورا في خلق عنصر تلقي جديد، غير ذلك العنصر المادي الأفقي الطبع، وهذا التلقي الجديد هو الكتروني الصفة، أي أنه تقريبا منعدم وجوده المادي رغم لمسه، فكان هنا قد انحرف مسار التلقي، واتخذ مسارا مختلفا في العلاقة مع الفيلم، فصارت هناك مساحة للمشاركة المعنوية للتلقي، بعد أن صار تحكمه بالمادة الفيلمية أوسع من تحكمه بها وهو جالس في صالة عرض، حيث لا تحكم حينها له بمسار وحركة الفيلم من البداية الى نقطة الانتهاء، التي تؤشر اشاريا بمفردة – النهاية –، واليوم للمتلقي دور معنوي اوسع، فهو يتجول داخل الشاشة، وليس فقط أن يشاهد بعينيه كما في عهد الصالات، وفي هذا السياق يكون التلقي قد وجب (عليه باستمرار القيام بعمليات تفسير وحل رموز صوت أو نظرة أو حركة، أو صمت، أو يقوم بإكمال جملة وربطها بالجمل الأخرى)1، فكان بهذا الدور عنصرا من عناصر الفيلم الارادية، أي هو ليس كما شخوصه، عبارة عن كيانات تحولت اثناء التصوير من كائنات إرادية الى أخرى لا إرادية، وهذا تحول مهم يحسب لصالح التلقي، بعد أن تحول الى طاقة فاعلة بعد طول خمول، فقد نضجت  احاسيسه واصبحت اقرب الى الملموس، بعد أن كانت بعيدة عن الشاشة ولا يمكنها الدخول فيها. 
عندما تختصر الأحاسيس المرتبطة بين المتلقي والفيلم، فثمة تغير وانعراج، لا بدّ من أنه في يكون غاية الحساسية، حين يكون المتلقي يتحكّم بمسار الفيلم وحركته الى النهاية، وهذا الاختصار للأحاسيس لا يحافظ على ذات التوصيف، بل قد يكون بشكل معاكس، حين يشاهد المتلقي الفيلم وهو متحكم به، ولا يمتنع عنه أي مشهد او لقطة، ويكون التقابل تعايشيا، وليس فقط مشاهدة كما في الجلوس في صالة العرض، وتكون المتعة أعمق هنا، بعد التفاعل التام مع الفيلم، والذي يتمثل ببعد التقابل الحسي ما بين الفيلم كمعنى حيوي يفيض مشاعرا، وبين المتلقي الذي هو شعوريا داخل الفيلم بشكل افتراضي..