نصف الأحزان

الأحد 03 أيار 2020 124

نصف الأحزان
حميد المختار
 

عمد الكاتب الراحل عبد الستار ناصر  في روايته(نصف الأحزان) ان يدخل في مغامرتين الأولى هي مغامرة ادب السجون، وقد جرب الروائي ذلك حين اعتقل في سبعينيات القرن المنصرم بسبب قصته المهمة (سيدنا الخليفة)، فهو اذن ليس بعيدا عن أجواء السجون والمعتقلات، وستكون هذه الرواية إضافة مهمة إلى ادب السجون في العراق، اما المغامرة الثانية وهي الأخطر، فقد عمد ان يتناص مع رواية ألمانية شهيرة عنوانها(رجلان وامرأة) بترجمة منير بعلبكي وعنوانها الأصلي (كارل وانا) للكاتب الألماني (ليونارد فرانك)، في هذه الرواية الألمانية عوالم حرب مريرة ودمار ومجاعة، وثمة اسيران المانيان في معسكرات الأسر الروسية (ريشار) الاكبر سنا زوج (انا) والآخر (كارل) وهو مازال فتى غضا، وقد مضت عليهما في الأسر ثلاث سنوات قضاها (ريشار) يتكلم عن حياته الخاصة في البيت وعلاقته مع زوجته (انا) بحيث صار الفتى (كارل) يعرف كل شيء عن حياة صاحبه خصوصا عن امرأته التي صار الفتى يعشقها في سره، أما في رواية(نصف الأحزان) حيث يقوم (عبد الباري) بالحديث عن بيته وعلاقته الخاصة مع زوجته (عواطف) موغلا في تفاصيل الحياة الحميمة وتفاصيل الجسد وصولا إلى الندبة القهوائية في خفايا جسدها و(سلمان يعقوب) صديقه في المعتقل يستمع إلى كل ذلك حتى صار تماما مثل الفتى (كارل) عاشقا يحلم ب(عواطف) والحياة معها، وقد سار (سلمان) على الطريق ذاته الذي سار عليه ذلك الفتى وهو يتوجه إلى معشوقته (انا) ليقول لها انه زوجها، كذلك يفعل بطل عبد الستار ناصر حين يقتحم بيت (عواطف) وابنتها ليعلن لها انه زوجها ذاكرا كل شيء ابتداء من الذكريات المشتركة وصولا إلى اللقاءات الحميمة، والاثنتان توافقان على الدخول في اللعبة، لكن في نهاية رواية عبد الستار ناصر نكتشف ان البطلة تخبر (سلمان) بأنها استلمت جثة زوجها قبل تسعة أشهر، ثم نكتشف مع البطل انه وقع في شرك آخر غير شرك الحب والجنس والرغبة، انها لعبة من نوع آخر، لقد كانت (عفاف) تعلم كل شيء عن سلمان، وكانت تنتظره وهو الذي يكره السياسة وقد سجن ٩ سنوات ظلما وبلا أي ذنب سوى انه كان موجودا بالصدفة مع مجموعة من المطلوبين للنظام، كانت البطلة قد رتبت أمر زواجها من (سلمان) زميل زوجها في المعتقل لكي تهيأه ليكون واحدا من الجماعة المعارضة للنظام بمعية المعارض الهارب (حسون الباز) لنعرف بعد ذلك أن (عواطف) هي مخبأ الأسرار جميعا وهي الداينمو المحرك لكل فعل صادر ضد النظام، وفي الوقت الذي كان فيه البطل يهرب من السياسة إذا به يصارحها قائلا :خذيني إلى حسون الباز، لقد هيأته تماما وقد اكتشف بعد ذلك قواه الإنسانية الكامنة ورغبته في الحياة الحرة الكريمة، وأن عليه أن يدخل معها ومع كل المعارضين لازاحة النظام الدكتاتوري البغيض، من هنا انقذ عبد الستار ناصر روايته من السقوط في هوة التشابه التام مع الرواية الألمانية، وفي السطرين الأخيرين نرى المفتاح الاخير للرواية واضحا على لسان البطل (ربما دام الظلام حولي عشرات السنين، لكن من تلك الليلة، أعني من تلك الساعة، بدأت ارى