صَلاح اللَّبَّان وَتَوثِيق الشِّعرِ الشَّعْبِيِّ

الأحد 03 أيار 2020 97

صَلاح اللَّبَّان وَتَوثِيق  الشِّعرِ الشَّعْبِيِّ
 
يُمثِّلُ الشِّعر الشعبي ظاهرة فنيةوثقافية وإنسانية،تتأسس على التجارب الشعرية الراكزة في الثقافة العراقية، فلكل مرحلة فضاءاتهاوأسماؤها، وهم يعبِّرون في قصائدهم، ومساجلاتهم عن الوجدان الجمعي  للناس، ففي كثير من محطات حياة هؤلاء الشعراء صور لماضيهم، وحاضرهم، حيث تتحقق هذه الصور من خلال الكتابة الشعرية، وهي تفصح عن همومهم واوجاعهم ومعاناتهم الصعبة.
لقد مرَّ الشعر الشعبي عندنا بمراحل متعددة، إذ شهد تحولات فنية وفكرية واطروحات مغايرة في مضامينه، ومراميه في معانقة هموم الانسان، واستغراق معاناته واوجاعه.
وهناك مسؤولية رسمية واخلاقية، ينبغي ان نلمسها في متابعة نتاج كل شاعر، وتلقِّي مشروعه الثقافي بشيء من العناية والاهتمام، ذلك أنَّ مثل هذه المشروعات بحاجة ملحة الى النيات الصادقة، والمبادرات التضامنية، ونكران الذات في نبش التراث الشعري القابع في السراديب المقفلة، والبحث عن صفحاته في ذاكرة الشعراء القدامى، والأجيال التي تختزن في ضمائرها الكثير مما تناوشته حوافر الأزمنة الموصوفة بالمناكدة ومصادرة الإبداع.
وكم رأينا بعض الشعراء ممّن لم يعتنوا بتراثهم بوصفه وثيقة فنية وتاريخية تتجلى في سطورها خلاصة تفكيرهم ومعاناتهم، ولم يجتهدوا في البحث عن وسائل عملية لتوثيق هذا التراث، وحفظه من مخالب السلطة وارادات المغرضين، فقد أصبح هذا التراث نهبا للضياع والنسيان.وصار شيئا من الماضي الذي لم نلتقط من عناوينه إلا النزر اليسير، إذ نفتقد في هذه الفوضى الأبناء أو الاحفاد وهم يُؤثِرُون المجاهدة في نبضات الثقافة والمعرفة على حياة الفُرجة والملذات العابرة، لذا انطفأ تراث هؤلاء المنتجين وهو ينطوي على كنوز شعرية خالدة، بفعل اللامبالاة والإهمال. 
ولا نستغرب أن نرى شعر الملا محمد علي القصاب خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي من بين هؤلاء الأبناء وقد خبّأ بعضا من تراث أبيه في احدى الخرائب المعرَّضة للتلف والاندثار، وبعضه الآخر قد قام برميه في سواقي البساتين والأدغال.
 وفي خضم هذه المتاهات القائمة على خسارة هذا العطاء الشعري الثرّ لكوكبة من الأسماء الراسخة في الكتابة، استطاع الشاعر صلاح اللبان عبر تفانيه وإخلاصه للعمل الثقافي، وعشقه للشعر الشعبي أن ينفض غبار النسيان عن العديد من مخطوطات أصدقائه الشعراء الأحياء والماكثين في عسكر الموتى، وأن يستثمر حضوره التوثيقي وعلاقاته الشخصية والأدبية في تقصي هذه الدواوين وملاحقتها، وهي مسجونة في طوامير الوارثين، بعد أن كانت دفاتر ممزقة، وأوراقا مبعثرة، هنا وهناك، وهو يحاول إحياءها، وبعث الحياة في مفرداتها كي تتحول الى وثائق إبداعية حديثة، نتفحصها بأعيننا، ونلمسهابأناملنا كالدراري والمرجان.
لقد اختزل اللبان هذه المهمة العسيرة بثلاثين شاعرا بابليا، تمكن من انتشال زفراتهم واهاتهم من عوادي الأيام والليالي، وتدبيج مقدمات وافتتاحيات استهلالية تتحدث عن مآلات إبداعاتهم ومصيرها المجهول وهي تحتوي تجاربهم المؤثرة  في القصيدة الحسينية غزليات الشباب المتنوعة ووجدانيات مُتخمة بالحزن والكآبة وتوقيعات وطنية عامرة بحب الأهل والوطن. وهؤلاء الشعراء هم :عبد الصاحب عبيد الحلي، والحاج رشاد جليل بقلي، وحمادة جابر الصفار الخفاجي، وحسان إبراهيم الحلاق، والملا عباس علي الربيعي، وجعفر خضير شداد الفتلاوي، وأبو بسام الخفاجي، وصاحب عباس الجمل، ومعز الشلاه، والعلوية نعيمة العميدي، وضياء حميد عفتان البغدادي، وصاحب ناجي السالم، وهادي المرزة الحلي، ومنفي العبد العباس الكفلي، وكاظم شمخي الجبوري، وفرقد القزويني الحسيني، وموفق حسين علي اللبان، والعلوية وزيرة الشلاه.