الوضع مراقب بالكاميرات

الأحد 03 أيار 2020 200

الوضع مراقب بالكاميرات
عبدالهادي مهودر
 
حلَّ شهر رمضان هذا العام وسط جائحة كورونا التي غيرت كل شيء في حياتنا بما فيها طقوس شهر رمضان، فلا صلاة جمعة ولا جماعة ولا تراويح ولا موائد إفطار رمضانيَّة، كما خلصت كورونا المسؤولين من دعوات الإفطار، وحل التباعد بدل التقارب ولزمت الناس بيوتها حذر التعرض للإصابة وامتثالاً لنصيحة (خليك في البيت) ونصيحة (صلوا في بيوتكم).
وقضت كورونا في هذا العام العجيب على الكثير من مظاهر الرياء والإنفاق والنفاق المتمثل بإطعام الفقراء أمام الكاميرات والتي يتم تأجيلها لغياب السيد المصور الشاهد على العصر، وأجبرت كورونا المنفقين في العلن على الإنفاق في السر أو ترك الإنفاق الى حين تحسن الظروف، وأصبحت الصلاة بين العبد وربه كما أرادها الله صلة بين الخالق والمخلوق وخلت المساجد من العباد الحقيقيين والمرائين، وفي المقابل ظهر التعليم عن بعد والعمل (أونلاين) كما ظهر التكافل الاجتماعي بصورة مذهلة ووزعت آلاف السلات الغذائيَّة من جهات أعلنت عن نفسها أو أخفت عناوينها كفاعل خير لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، وأصبحنا جميعاً تحت رحمة المصور الأعلى المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد يعزز هذا التوجه الإنساني الاضطراري حالة الإخلاص في العمل بغياب الرقيب ورب العمل، بل هذا ما يجب أنْ يحصل، فالعبادة بلا عمل ولا صدق ولا خير فيها ولا إصلاح يرجى منها للمجتمع.
وعلى الرغم من أنَّ كاميرات المراقبة ملأت الأركان والزوايا، إلا أنَّ تعويد الناس وموظفي الخدمة على العمل الطوعي والخدمة الطوعية المخلصة هو إنجاز وتطور كبيران فيما لو حدث بالفعل، فمعدل ساعات عمل الموظف العراقي تقل كثيراً عن معدلاتها السليمة والطبيعيَّة وبعضهم كان لا يعمل في اليوم الواحد أكثر من ساعة أو أقل وتتزاحم أمام شباكه طوابير المراجعين، ولا مجال للمقارنة مع المقاتلين الذين يقضون أيامهم ولياليهم في السواتر والمواقع المتقدمة الخطرة ويضحون بأنفسهم ويستشهدون أو يجرحون، ولهؤلاء تنحني الرؤوس فلا كاميرات تجبرهم على التضحية ولا يختلط عملهم بالرياء، شباب بعمر الزهور آمنوا بربهم ويدافعون عن وطنهم في كل الظروف سواء قبل كورونا أو بعدها وما بدلوا تبديلاً.
وإذا كان من ظلم قد وقع على هؤلاء المضحين فهو ظلم كتاب السيناريو والدراما العراقيَّة التي لم تشملهم بعمل فني واحد خلال شهر رمضان الحالي يوثق بطولاتهم وتضحياتهم، وتوزعت نصوص الدراما العراقيَّة بين ماضٍ تولى وبين أعمال لا تعبر عن الحاضر وأصبحت لكل قناة فضائيَّة سياسة دراميّة خاصة بها تجسد فيها توجهها الحزبي والسياسي المريض واختلط التسفيه والتسقيط وتسطيح العقول بأعمالٍ فنية تخاطب الغرائز لا العقول ومن دون اكتراث لما تعكسه من توتر نفسي واجتماعي وأمني، يضاف الى ذلك ما تخلفه البرامج السياسيَّة الحواريَّة من نكد في غير محله ولا وقته ومن دون شعور بأنها خلال شهر رمضان تعد برامج طاردة للجمهور نحو الفضائيات الأخرى التي تستغل هذا الشهر لزيادة أعداد مشاهديها.
ويبدو هذا الشهر المختلف في هذا العام المختلف كامتحان شامل لأنفسنا وسلوكنا ونوايانا وأعمالنا ما خفي منها وما بطن، وما أنتج في فضائياتنا وما أهملناه وما صور بعلم أو من دون علم أو بخديعة صورني وآني ما أدري.