جورجو أغامبن.. الجسد والسلطة

الثلاثاء 05 أيار 2020 125

جورجو أغامبن.. الجسد والسلطة
نصير فليح
 
علاقة الجسد بالسلطة ليست وليدة العصر الحالي طبعا، فهي قديمة قدم التأريخ البشري نفسه، حيث كان الجسد البشري ولا يزال ميدانا للممارسة السلطة، مراقبة وتنظيما واحصاء وصحة عامة، أو قمعا وحجرا وايذاء وقتلا. ولكن دراسة هذه العلاقة في ما يخص المجال الاجتماعي العام، بما في ذلك جوهر مفهوم «القانون» و»السلطة» نفسيهما، تطورت بشكل لافت منذ عدة عقود لا سيما في دراسات ميشيل فوكو في مجال البايوسلطة Biopower. وفي عصرنا الحالي، يعتبر المفكر والفيلسوف الإيطالي جورجو أغامْبن Giorgio Agamben (م 1942) رائدا في هذا المجال. 
ورغم تنوع ووفرة كتابات أغامبن ومواضيعها من الفلسفة الى الأونطولوجيا الى دراسات الجمال (الأستطيقا) فإن عمله في مجال الفلسفة السياسية يعد أبرز المجالات التي اشتغل فيها بحثا وتطويرا وتأسيسا، وهي اليوم مصدر مهم للكثير من الدراسات والتطويرات في مواضيع السياسة والفلسفة السياسية والقانون ومراجعة جوهر المفاهيم في هذه المجالات. أما بالنسبة لعالمنا العربي وثقافتنا وما يمكن أن تكون لها من علاقة بهذا، فسنشير اليه في نهاية هذه المقالة الموجزة.
 
المهدور الدم Homo Sacer:
لا مناص من التوقف أولاً مع المفهوم الذي ذكرناه تواً، أي “المهدور الدم”. هذا المفهوم الرئيسي في الفلسفة السياسية وفلسفة القانون لدى أغامبن، يستعيره أساسا من الموروث القانوني الروماني. والمطلعون على تأريخ القانون يعرفون ان القوانين الرومانية وتشريعاتها هي الابرز والاوسع والاكثر تفصيلا في التأريخ القديم. وفي الموروث الروماني يشير مصطلح Homo Sacer، الى حالة الشخص الذي يرتكب مخالفة بحق الآلهة، فلا يحكم بالاعدام من جهة، ولكن يمكن لمن يريد قتله أن يفعل دونما عقوبة. 
هذا المفهوم الرئيسي في فكر أغامبن ترجمه بعض المترجمين العرب في كتبهم او مقالاتهم عن أغامبن – على قلتها – الى ترجمتين رئيسيتين يمكن ملاحظتهما، وهما “المنبوذ” (عبد العزيز العيادي) و”الانسان المستباح” (أماني أبو رحمة). ولكننا نعتقد أن “المهدور الدم” أكثر دقة، وهو ما سنبين حيثياته بالتفصيل في كتاب جديد عن جورجو أغامبن من سلسلة “ما بعد دريدا” التي اصدرنا حتى الآن عددين منها، أحدهما عن ألان باديو، والآخر عن سلافوي جيجك.
 
الحياة العارية:
المهدور الدم يرتبط في فلسفة أغامبن السياسية بمفهومين آخرين رئيسيين: هما “الحياة العارية”، و”حالة الاستثناء”. الأول يعني بوجه عام تحويل الانسان الى حالة من الوجود يتم فيها سلبه صفات حياته الاجتماعية كإنسان، وتحويله الى مجرد وجود بايولوجي جسدي محض، وهو ما يعبر عنه مصطلح الحياة العارية Bare Life، وبالإيطالية Nuda Vita.
أما “حالة الاستثناء» State of Exception، فهي الحالة التي يتم بموجبها تعليق القانون، كما في حالات الطوارئ والاحكام العرفية. والمفارقة، ان هذه الحالات التي يتم تعليق القانون فيها، تكشف لنا جوهر القانون، حسب أغامبن. هذا القانون الذي يوجد على حديه أو طرفيه موقفان حديان، هما حالة الانسان المهدور الدم من جهة، والحالة المقابلة هي حالة “السيادي”، الذي يقع أيضا بدرجة او اخرى خارج نطاق القانون، كما في شخص الملك و الحاكم او الأمير عندما يتم تعليق القانون نفسه.
 
فوكو وأغامبن:
وهنا تظهر نقطة اختلاف مهمة بين أغامبن وفوكو. فبينما يبين فوكو في كتاباته كيف ان الدولة الحديثة مع نشوئها حولت موضوع الجسد البشري الى ميدان لممارسة السلطة والمراقبة والمعاقبة، وذلك عبر جمع البيانات والاحصائيات والمعلومات عن مختلف الافراد في المجتمع (على خلاف الدول ما قبل العصر الحديث) إذ تحول مفهوم الدولة نفسه من المفهوم القائم على أساس الأرض، الى الدولة القائمة على أساس السكان. أما أغامبن فيذهب الى أبعد من ذلك، وهو أن هذه الحالة ليست قرينة العصر الحديث فقط، وأن ما جلبته العصور الحديثة معها هو تنظيم وتوسيع وشمولية هذه الممارسة، التي كانت موجودة وكامنة في جذر مفهوم القانون نفسه.
و يتناول أغامبن الحالات الأبرز في التاريخ التي تم تحويل جماعات بشرية فيها الى حياة بايولوجية لا أكثر، بما في ذلك معسكرات الاعتقال النازية، وحتى حالة اللاجئين الى الغرب في عالمنا المعاصر. أما عن مواقفه الشخصية الناقدة لاختزال الانسان على هذا النحو، فلعل أبرزها رفضه زيارة الولايات المتحدة عام 2001 لرفض الخضوع لعملية “الوشم البايوسياسي» biopolitical tattoo بعد احداث سبتمبر عام 2001 في نيويورك، عندما كان هذا مطلبا من قسم الهجرة للولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر، وهو الامر الذي أثار جدلا كبيرا.
 
عالمنا العربي
بالنسبة لعالمنا العربي، وحيث ان مجتمع القانون والممارسة القانونية هشان أصلا – هذا إن وجدا – فإن الفكر الذي يصدر في الغرب مما يتناول علاقة السلطة بالجسد في تحليل مفهوم القانون، يمكن النظر اليه بالنسبة لنا من جانبين: الأول هو اننا اصلا لا نزال بعيدين عن تأسيس مجتمعات القانون التي يتم تحليلها وحتى نقدها جزئيا في فكر مجتمعات أخرى عاشت وتعيش هذه الممارسة بدرجة عالية – رغم المآخذ طبعا، إذ لا يوجد مجتمع يطبق القانون بشكل “تام و”نقي” – وأن ذلك النقد يتطلع هناك الى بدائل حضارية اكثر انسانية وتقدما.
ومن جهة اخرى، فإن جعل جسد الانسان موضوعا للمراقبة والمعاقبة، عنصر ملموس وفاعل على امتداد تأريخنا بما في ذلك حاضرنا، وبالتالي هو موضوع خصب، عند تقصي جذوره وتحليلاته، في فهم أعمق للكثير من جوانب حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولكن لا بد من القول ان هذا الجانب الثاني يدخل في باب التمنيات أكثر من باب الوقائع، ذلك ان ثقافتنا لا تزال بعيدة عن معرفة اساسيات كثيرة في الفكر العالمي وتاريخه، فما بالك بمواكبة ومعرفة وتمثل المعاصر منها، ثم توظيف تلك الافكار والمفاهيم، بعد تمثلها، لاغناء رؤيتنا بواقعنا؟