العزلة والثقافة المحليَّة تعيدان النظر في الفولكلور

الجمعة 08 أيار 2020 444

العزلة والثقافة المحليَّة تعيدان النظر في الفولكلور
البصرة/ صفاء ذياب
 
 
على الرغم مما نمر به في حياتنا من تغيرات لا تنتهي مع كل مرحلة جديدة، غير أنَّ هناك ثوابت من الصعب إلغاؤها في كل مجتمع، ومن أهم هذه الثوابت ما غُرز على مدى سنوات وقرون، وتناقله أجيال بعد أجيال، مثل العادات والتقاليد، والأهم من ذلك الفولكلور الذي يختص به كل مجتمع دون غيره من المجتمعات الأخرة، برغم وجود فولكلور إنساني تمثلت به مجتمعات كثيرة في الوقت ذاته.
غير أن ما مرّ به أي مجتمع خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين من استعمار لبلداننا وتغيّر طوبوغرافيا دول بالكامل، ومن ثم قلعت مدن من جذورها لتزرع في دول غير دولها، أدّى إلى انقلابات في مفاهيم التراث الشعبي والفولكلور، وصولاً إلى العولمة التي جعلت من العالم قريةً صغيرة، على حدِّ تعبير
 المفكرين. لكن في ظل ما نمر به الان من عزلة بين الدول من جانب، وبين المدن العراقية من جانب آخر، هل يمكن أن يعاد الالتفات إلى الثقافات المحلية وفولكلور كل 
مجتمع؟
 
فرصة التأمّل
يرى الدكتور صالح زامل أن الأعين معلّقة الآن بلاعبين هم الأكثر فاعلية في مشهد الجائحة؛ الأول: الاحصائيات وماذا يفعل الطب، والثاني: النزوع الإنساني إلى التراحم أمام حاجات الآخرين، وفيه تدخل الشفقة والرحمة والروح الجماعي، والثالث: التأمّل في ذواتنا وتأثيث الداخل، ومنه النظر في ثقافاتنا
 الفرعية.
لكن هل نحمل هذه المكابدات لما بعد الجائحة! بالتأكيد العالم منذ حقب بعيدة مؤمن أن لا شيء ينتهي مقابل آخر، لكنه سينظر ولو مؤقّتاً بعنجهية أقل إلى الثقافات البدائية والفرعية والأقليات، وهذه فيها خزين من الفولكلور تم تجاهله أمام منظور الحضارة ومسبارها التنوير الذي رأى فيها عوداً لإحياء التخلف.
ويضيف زامل: هذه اللحظة شبيهة إلى حدٍّ ما فيما يتعلق بالفولكلور بلحظة سابقة، عندما واجه الإنسان مصيره المجهول في قمّة صعود الصناعة وفكرة الفردية الليبرالية، ظهر في أواسط القرن التاسع عشر علم الفولكلور، وحركة كبيرة لجمعه ودراسته جزءاً من البحث أيضاً عن الخصوصيات القومية، في مواجهة ثقافة قوية وإلغائية، وشكّل جزءاً من أشكال الشغف واكتشاف الماضي والمزامن، فضلاً عن تأثيث الداخل بالخصوصيات للجماعات وفي مقدّمتها الفولكلور. الآن الحضور بشكل آخر الإنسان يواجه مصيره ولا يختلف هذا المصير في كل البقاع التي تساوت بالألم والفشل، لذا سيعود الإنسان إلى حدٍّ كبير لفضاءاته التي وفّرت له الجائحة فرصة التأمل فيها، وأظن ذلك سيكون حتى يعاد ترتيب المعادلة.
 
غول العولمة
بينما يقول الدكتور علي حداد ان جانحة كورونا أحدثت هزّة كبرى في القناعات المركزية لعصرنا الراهن ومعارفه وثقة الفرد بها، لاسيما في الجانب العلمي الذي ظنَّ الإنسان أنّه قد وصلت قدراته فيه حدّاً من الاكتشافات والمعالجات ما تصوّر أن لن يقف في وجه هيمنة الإنسان على الطبيعة وظواهرها شيء.
وها هو يصطدم بعجز كبير في مواجهة هذا العدو غير المرئي الذي ترك كل تلك الإمكانات العلمية والطيبة في مهب التخبّط وتناقض المواقف بل العجز التام.
ويبين حدّاد أن من بين ما صنعته تلك الحواجز التي قطعت ليس الدول عن بعضها، بل مدن تلك البلدان وأحياؤها كذلك، وأعادت الإنسان ليعتكف في بيته متوجّساً كما كان لأسلافه البعيدين من اعتكاف في كهوفهم قلقين متوجسين، من دون أن تقدّم له كل مستلزمات التكنولوجيا والتطوّر العلمي والطبي أكثر من النصائح والتوصيات وتلاحق التحذيرات المرعبة خشية الإصابة، ليغادر كثيراً من عاداته وممارساته الاجتماعية ويعود ليستنجد بالمتاح له من إمكانات حماية نفسه والمقربين له. وهكذا تعزّزت نوازع الذات وتحصّنت بما بين يديها من خصوصياتها السلوكية والقيمية.
إذن، ماذا بعد هذا الاعتكاف على قدرات الذات وإمكاناتها على التحمّل وخصوصيات المكان والبيئة مما يمكن له أن يستحضره حين يأتي الوقت القادم الذي يجتاز فيه هذه المحنة التي عصفت بالوجود البشري كله؟ لقد اهتزت كثير من القناعات التي استبدّت بحياتنا المعاصرة وتطوّرها الحضاري. وربّما سيشعر الإنسان بكثير من الإعجاب والاحترام لأسلافه الذين تعرّضوا قبله لكثير من الكوارث والأوبئة وغضب الطبيعة المميت، ولم يكن عندهم من الإمكانات العلمية والطبّية ما يواجهونها به. ومع ذلك واجهوها بالصبر والتحمّل والإمكانات البسيطة المتاحة واجتازوا خطرها، ليبقوا أحياءً ويعيدوا إنتاج وجودهم ومستلزماته، ومعه خصوصياتهم الثقافية ومأثورهم الشعبي الذي أمسى هويّتهم وسيماء حضورهم. ولعلّه، ومن هذه الرؤية ومن تماهي الفرد مع ذاته واستعادتها- مدّة اعتكافه- لكثير من خصوصيات انتمائه إلى المكان ولطبائع عيشه الخاصة فيه ما يمكن للثقافة المحلية بكل تشكّلاتها أن تحضر فيه. وتواجه به غول العولمة الثقافية.
 
نظم الاستهلاك
من جانبه يشير الدكتور محمد عطوان إلى أنه مهما تملّكت العولمة أدوات سيادية عابرة للحدود، فإنّها في مقابل ذلك ستزيد من إرساخ الخصوصيات الثقافية وتعمّق من ذاتيتها.. ومهما حكمنا على العولمة حُكماً سيّئاً، فهي في وجه من وجوهها صنعت نوعاً من المصالحة بين المختلفين، وأنتجت منظوراً مهيمناً للحياة المشتركة؛ فجعلت من ابن نيويورك لا يختلف في سلوكه أو إدراكه عن ابن كاركاس أو ابن كابل.. فالجميع يتعاطى نظم الاستهلاك نفسها؛ في المأكل والملبس والمعلومة، وطبيعة الأحداث السياسية المشتركة.
ويرى عطوان أنه ربّما سيعيد عالمُ ما بعد كورونا للسياسة إنتاج الثنائيات الثقافية التي تعود في جذورها إلى أحداث 11 سبتمبر وإلى التسعينيات وإلى الحرب الباردة أيضاً، حيث الاحتكام إلى صيغة الـ(نحن) والـ(هم)، والغرب والآخرين، ذلك لأن العولمة لم يكن من شأنها أن تتغلّب على هذه الثنائيات بالمطلق، ولذلك عالم ما بعد كورونا سيجعلها منكشفة على حقيقتها وعلى تمايزها أكثر فأكثر! لذلك من حقّنا أن نتساءل أحياناً لماذا جاءت عبارة الفيروس الصيني على لسان الرئيس الأميركي في أثناء الأزمة؟ وسواء كان العالم متعدّد الأقطاب أو ثنائي، أو أحادي القطب، فإنّه لا يستمر من دون إيجاد خصم مختلف عنه بالضرورة، وكما هو معلوم فإن الولايات المتحدة تحوّلت منذ التسعينيات إلى قوّة عظمى فريدة، لكنها، لم تكف عن ابتداع خصومٍ لها في كل حدث ومناسبة، ولذلك بالقدر الذي تكون فيه العولمة سوطاً ترويضياً يصنع مظاهر التماثل والتماهي، فإنّها بالقدر ذاته تعتاش على حقائق الاختلاف والممانعة..
 
مشاغل إنسانية
وبحسب القاص والصحفي عبد الأمير المجر، فلا شك أن جائحة كورونا، تركت العولمة في العراء، كونها في الأساس، كرّست السيِّئ من النزعات المحلّية، وأحيت الأصوليات، لكن داخل فلك سياسي واقتصادي دولي مسيطر عليه. وفي اعتقاد المجر فإن ما حصل كشف عن فشل العولمة في خلق بيئة إنسانية متكافلة، وأماط اللثام عن ضعفها مثلما عرّى احتفائها المنافق بالجهويات الثقافية، لدوافع سياسية، الأمر الذي خلق بيئة إنسانية أقل تماسكاً وأكثر ضعفاً في مواجهة التحدّيات
 الكبرى كهذه.
ويعتقد المجر أن العولمة لم تتكرّس بعد لكي تنتهي، وإن تركت أثراً يصعب تجاهله، لأن الثقافات المحلّية ما زالت راسخة، لكنه يرى أن البعد الإنساني الذي تجلّى في مشاعر البشر تجاه بعضهم البعض، في أثناء أزمة كورونا، سيخلق بيئة أكثر إنسانية، وستنعكس في الأعمال الأدبية والفنية وحتى الرياضية، أي أن النزوع نحو العالمية ثقافياً، سيحل محل العولمة، ولو بعد استيعاب الحدث مؤسسياً في المشاغل الإنسانية المتعدّدة. وهذه ستواجه القوانين (المعولمة) التي فرضت منذ ثلاثة عقود، وهو ما يحتاج إلى جهد
ثقافي يسبقه!