النص والتعالي والتأويل

الجمعة 08 أيار 2020 381

النص والتعالي والتأويل
محمد طاهر العصفور *
 
 
 
النص
النص ما ارتفع.. هل ما ارتفع من الأرض؟ أو كما قال امرؤ القيس: وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصتـــه ولا بمعـــطل وبين ما نص (ارتفع) وما (برز) أو ظهر أو نتأ تكمن تصورات ومتاهات من حقيقة (ما نص) وما محق وما ربا.. يستطيع القارئ أن يمارس ثنائية الضد حضورا وغيابا، متكئا على تصور المسكوت عنه، فهل يأنس القارئ بالبحث في باطن النص عن امارات المسكوت عنه؟ وهل موت المؤلف مطلب حقيقي ينبع من ذات المتلقي؟ أم انها طبيعة النصوص الميتة التي يتحدث عنها اللغويون؟ إنها طبيعة النص.. هو ذلك الفصيل الذي تموت عنه أمه فور ولادته، بين ما يريد القارئ وطبيعة النص هنالك منطقة غير محسومة من التجاذب قوامها الصوت الذي قد يحافظ عليه القارئ، وهو صوت المبدع الذي أريد له التغييب، وقبل الخوض في مشروعية هذا المطلب يمكننا أن نطرح سؤالا عن ماهية المبدع، أو نقارب حقيقته من خلال أهم سماته، ويمكننا القول أو التصور أو الاحتفاظ بسمة مهمة قد يجب تكريسها في تأملنا عن المبدع، وهي أنها (ما نص) ما (ارتفع) به من لغة، وما نص شكل نصا غاير المساحة المستوية من الأرض التي تمرد عليها المبدع، فكان النص وكانت النصوص التي تشكل وهجا لغويا، واخترت كلمة (الوهج) لأنها لا تعطي كماً  قدر ما تعطي لوناً نكهة مغايرة، وبمعنى آخر، إن المؤلف سيموت أم النص والمؤلف سيموتان إذا أحلنا النص إلى نصوص، إن إمكانية الالتفات إلى نص ما تبدأ بما يتصف به من حقيقة لغوية مغايرة تشكل أحداثا لغوية مؤتلفة، وإن محاولة تغييب صوت المبدع بين حقيقة النص وسلطة القارئ تعد هدما لما أبدع. ومن الممكن أن نفهم في مكان ما أن النص هو تلك الأحداث اللغوية المؤتلفة التي أبدعها مبدع 
ما،
غير أن المشكلة تقع في عقل المتلقي الذي يمارس سلطته المصادرة في تغييب حقيقة النص، والنيل منه لإرضاء خصوصية لصيقة بذاته لا بالنص، فالكثير من الأعمال الشعرية سواء أكانت جاهلية أم محدثة، وكثير من النصوص الأدبية التي جاءت نثرا، قدمها القارئ على شكل جداول، وصارت تلك الأعمال الأدبية تمثل أمما من النوع الأدبي المعين بسبب ذلك الاتجاه من البحث والعلم أو النقد، وغيره من الاتجاهات
 الأخرى.
التعالي
هل يمكننا فهم التعالي من النص أم من القراءة؟ هل يتعالى النص أم القارئ؟ هل النص هو الخلاق أم المتلقي؟ كلها أسئلة تمثل الإجابات عليها ربما حقائق نافعة إذا كانت إجاباتنا تصب في بعث القارئ من جديد، في تحريك رغبته في فهم الآخر لا فهم ذاته، فالنص ليس في حاجة إلى قارئ يسلبه جمالياته ويحل مكانها جماليات أخرى، النص يبحث عن قارئ يراوده في لقاء حميم، ينفض الغبار عنه، ويتعاطف مع لغته تعاطف الانبهار بما يمتلك ذلك النص من لغة ساحرة تؤدي معنى معينا أو معاني كثيفة، وأعتقد أن المتلقي لو أراد إنتاج دلالات أخرى سترتكب أول خيانة ضد النص الذي اعتبرنا ترجمته خيانة؛ لأن الخيانة أن تفك عرى الارتباط بين الدال والمدلول عند شاعر ما، وقاص ما وروائي ما، والخيانة أن تطرز قميصا آخر من مخيلتك، وتلبسها نصا ما كما ترى أنت ومن حيث أنت لا من حيث المبدع، المبدع يكسو اللغة ثوبا آخر تسرح فيه في شكل فضفاض وفق ما آنس من جمال في تحالف الأشياء ويكتشف اقتران المعاني الخفية، فتجيء تشبيهاته تنفح عن تصوراته للأشياء لا تصورات القارئ، المتلقي يحفظ دوره في فهم السياق لا في الجور على تراث الفنان، وتبدأ محاولة المتلقي لقراءة النص عبر التعاطف مع النص وصاحبه، فمهمة القارئ أن يكون حريصا على فهم التباين اللغوي الذي أحدثه المبدع؛ بغية فهم مراميه وبغية معرفة كيف يفكر وليس كيف يفكر المتلقي، لكن التعالي الذي يجب أن يكون في النص أكثر تناميا، وأكثر قدرة على استشراف المتلقي وجعله يستمر في عملية الفهم ويدرك أبعاد النص؛ لأن النص المتعالي يعبر الزمان والمكان، وهو كثيف قابل على خلق نفسه من جديد، فاستعارات المتنبي -على سبيل التمثيل- استعارات ممتدة متعالية على أفق الزمان، فالنص يتعالى ككوكب كلما اقتربنا منه عرفنا معناه، نحن لا نريد أن نجتذب الكواكب إلينا بل نريد أن نتألق تألق الكواكب، ونريد أن نفهم تلك النصوص، وأن نتماهى مع سيكولوجية صاحبها، وألا نمارس التغريب، وأن نغترب معها في قراءة أخرى.
 
التأويل
سيكون التأويل لعبة دقيقة تحت ظل ثنائية الوهم والخيال، وإذا خضعنا تحت وطأة الوهم سنقضي على عرى الارتباط بين الدال والمدلول؛ لأنك إذا توهمت ستتوهم ساحة بعيدة عن ساحة النص وفق ما أحرزت من تعقلات استوى عليها عقلك، مخالفا بذلك العقل النصي الذي تروده، وأن تحمل النص على ظاهره ليس معناه أن تلجأ إلى الوهم أو التوهم؛ بل أنت تحاول الكشف عن العقل النصي الذي يستوي به النص عن العلائق المتشابكة فيه، أن تتخيل هذا التواصل في حقيقة النص، الكاشف عن مناطق معتمة استدعتها ضرورات التغييب، وقد تكون هذه الضرورات فنية أو تواصلية كما في قصيدة أمل دنقل (لا تصالح): «لا تصالح وإن منحوك الذهب..»، ترى هل كان أمل دنقل يستدعي هذه الشخصية التراثية استدعاء لطيفا ليعالج موقفا سياسيا وهو مواجهة المصالحة مع إسرائيل التي يقودها أنور السادات؟ وعلى نحو غير مباشر انها كانت ضرورة تغييب تحت وطأة التعسف الذي كان يمارس من قبل السلطات آنذاك، والتي وضعت صحفيا كبيرا مثل محمد حسنين هيكل رهن الاعتقال، وهو الصديق والصاحب والمستشار؟
وقد يأتي قارئ آخر ويوظف النص في مكان ما يشبه ولا يماثل، لكن السؤال: هل تجاوز النص حادثة الصلح مع الكيان الغاصب يعد تحولا للنص؟ قد تكون الإجابة على هذا السؤال نابعة من التأمل في القيمة الإنسانية التي تتنامى مع النص، وتطبع جماهير بما يمثل من إحساس بأن الوفاء للقيم الكبرى أعز من استبدالها بالعوض، مثل السؤال الذي وجهته الجليلة بنت مرة زوج كليب بن ربيعة: (أبا البدن تدع لك تغلب دم زعيمها؟)، إن تلك النصوص التي تحمل القيم المتوارثة إنسانيا،وعلى هذا النحو من الفن، تعيش أبد الدهر وعلى تعاقب الأزمنة، وتكون معينا خصبا للتأويل، وإذا تركنا نصا حديثا لأمل دنقل ومارسنا قراءتنا للذة امرئ القيس وحكمة طرفة وطيش شبابه ورجاحة عقل زهير، سنرى انفسنا أمام تراث إنساني من القيم،ولاشك ان المتنبي وأبا العلاء طورا بفنهما تلك المنظومة المتعالية من القيم الإنسانية فنيا كنباريس متألقة في فلك
الفن.
غير أن كل شاعر من هؤلاء كان يمثل لغة أخرى لا تماثل غيره، إن الشاعر لغة جديدة، بمعنى أنه مجاز جديد واستعارة جديدة، الشاعر يعيد نسج العلاقة بين الدال والمدلول؛ لأنه يهتدي إلى علاقات أوسع رحابة بين الأشياء، ويلعب على خطوط المعنى، ويكتشف المزيد بين الوردة وما تمثل، أو بين الصحراء وما تقدح في الذهن، أو المطر وما يتجاوز نماء الأرض، إنه يكتشف عالما جديدا من فلسفة الأشياء وعلاقاتها مع بعضها البعض، والتأويل يعمل على إيضاح هذه العلاقات التي يهمس بها الشاعر على نحو فضفاض، ويمارس مناورة المعنى بلا هوادة، مثيراً بذلك حفيظة كل متذوق عبقري.
 
* كاتب من البحرين