الواقع الراكض نحو حافة الخيال

الجمعة 08 أيار 2020 136

الواقع الراكض نحو حافة الخيال
 
ابراهيم سبتي
 
 
ان تكتب ما يمور في رأسك من مكابدات وخسارات ، فهو انثيال طبيعي يُسطر على الورق و في مرة اخرى تكتب اشياء اخرى وفقاً لمعطيات ما تُصاب به الذاكرة اليومية والحياة المتوالدة ، ولكن ان تكتب  كل شيء تراه وتسمعه وتتخيله ، فهذه هي الكتابة النوعية التي نتعطش لها دائما  فنقرأ بنهم وتأمل وانشداد وترقب وخوف وحبس انفاس . انها الكتابة الجريئة التي لا تترك شيئا وراءها دون ان تذكره  فتؤسس لذائقة قرائية جديدة غير مألوفة ولا منظورة في الرواية والادب عموما الا  من القليل الذين كتبوا بازاحة الستار المعتم ونبشوا في اليوميات التي كان حتى ذكرها يعد من المحرمات . 

حميد المختار في روايته « تابو « لا محظورات عنده في السرد ، فهو كتب كل شيء ولم ينسى او يترك او يغفل شيئاً . حتى باتت  كل صفحة  تخبرك بانثيالات جديدة لا تشبه سابقتها ولا  اللاحقة لها .
 قاموس من العبارات والمفردات الزاخرة بالثراء الحياتي المعاش تحرك السرد في نص سار بوتيرة غالبتها عناصر الدهشة والترقب الذي طغى في بعض الصفحات . في تقسيم دلالي ،  قسم المختار روايته الى اربعة اقسام  وفي القسم الثالث نجد  خمسة اوجه : الاول محمد الشهواني والثاني سامي البصير والثالث نهاوند والرابع فريد الدين العطار والخامس جمولي الكوري ، ولكل منها دلالته في السرد والاخبار عن ما يدور في ذاكرة الراوي الذي تكلم في كل شيء  وفي تعريف وتوضيح اعطى كل وجه شرحاً مختصراً قبل الدخول في سرد كل وجه . ثمة ضحايا كثر وانتهازيون وشهداء ووصوليون وممثلون يجيدون التمثيل وفاسدون وانقياء .. انها حكاية  حقبة  زمنية لا يجود الزمان بمثلها ابدا جعلت من النص يغوص في ارض خصبة من التداعيات والانثيالات والشهادات . 
« ما الذي يجري يا ربي ؟ ولماذا وصلنا الى هذا الحال “  ص 64 . هذه العبارة   تفصح كل المكنون والظاهر في الرواية ، انه السؤال الابدي الذي لا جواب له  سوى الحيرة والدهشة والقلق، انه زمن لا يشبه الازمان ولم نسمع عنه او عن احداثه . من هنا ينطلق  حميد المختار ليربط مصير ضحاياه بمصير من تسلط عليهم ومن آذاهم بحجج واهية ليس آخرها الديمقراطية ! انها لعبة اجادها الحاج عبد القادر المنتفع والممثل القدير في زمنين  وصاحب الجاه والنفوذ والحظوة ، ورقص لها  مزاحم الذي يدور في فلك صاحب نعمته ووليها ، انه الجلاد في كل الازمان والقوي الذي لا يتوانى عن فعل كل شيء لا يفعله الشرفاء..  ولكن الضحايا الذين يحاولون الفكاك من فخاخ الزمن وقيوده ، لا يستطيعون فعل أي شيء واجب فعله “  قطاع 33 و حسام الشهيد وفاضل المعدوم في سجن ابو غريب و الحاج غنتاب والحاج كشكول وتجية وشالح وشاتي وام عباس وابو عباس والحاج غالي وزوجته والحاج نعيم “ وسواهم من الذين وقعت عليهم افعال الكبار الاقوياء مثل الحاج عبد القادر ورهطه . اما قطاع 33 فيكون شاهداً على زمنين احلاهما اكثر مرارة من الاخر . 
« الثورة هي القطاع 33 وهي الوطن  والارض السوداء المنكوبة ورايات الحزن  وفجيعة ايامنا الممتدة الى آماد سحيقة ، عذاب بقامة العدم ، ذلك العدم  الذي ترصع بنجوم ومضات عيون المحتضرين على اعالي المشانق والثرامات والاوبئة والسرطانات المنبثقة من باطن الارض  “ ص 316 . 
اما الراوي عبد الحميد المختار الذي أتى ذكره في الراوية مرتين  ، فهو  الميت الحي ، المقتول والشاهد ، رجل الدين الذي تجده الشرطة مقتولا ولكن المفارقة الدرامية عندما يرسلون في طلبه  ويأتيهم بكامل ملامحه وصورته واسمه ، في هذا المشهد الذي بناه الروائي بناء غاية في الدقة والابهار ، هو  الوضوح الملغز بالسؤال والحيرة ،  وملابسات زمننا الذي نرى فيه شخصا ومن ثم نرى نفس الشخص وبنفس الصورة والهيئة لكنه ليس هو . اشتغل حميد المختار شغلا واقعيا وتخيليا وكان يسرد جمله وافكاره الهادرة وفق تغليب الصنعة الروائية على النقل المباشر لما يجري فكان صيادا دقيقا للاحداث التي جرت ولم تكتب ، للمشاهد العفوية التي اهملها الكتاب فكتبها بصدق ومنحها نكهة الفعل وحياة المتابعة والاصغاء . “ ستفاجأ بانغلاق المكان وبؤسه وضجره وخطره وستفاجأ بغياباته الطويلة كما في المرات السابقة حين كانت تلح عليه ان يزورها في البيت رغم خطورة المكان وكثرة القناصة فيه  “ ص 190 .  “ تابو “ رواية قالت كل شيء بعذوبة اللغة و الصنعة المبهرة .
اشارات ودلالات 
ـ اورد الروائي حميد المختار قولا  لبوشكين مقتطع من مسرحية بوريس غودونوف جاء فيها : ثمة قصة اخيرة وينتهي سفر مدوناتي  .
ـ  في اخر سطر من الرواية يقول : ليس امامنا الان سوى صفحات  بيض جديدة سيكتبها رغم كل شيء.
ـ بعض الحوارات مكتوبة باللهجة العامية وهي تؤدي معناها هنا برأيي اقوى من اللغة الفصحى بدلالة التأثر والتأثير .
ـ كتبت الرواية بأسلوبين ، الاول شغل معظمها ، وهي اللغة الهادرة المعمقة . في حين كتب اخر فصل وهو “ قطاع 33 الانفاس الاخيرة لحدائق الطفولة “ باسلوب اخر تماما ، كانت لغته هادئة وديعة وفيها مشاعر الحنين والذكريات  .
ـ اورد الروائي اسم شخصية الراوي “ عبد الحميد المختار “ وهي من الحالات النادرة التي يرد فيها اسم  للشخصية مشابه لاسم كاتبها .