علم الوراثة.. مفتاحٌ آخر لفهم الاختلافات في آثار «كورونا»

الجمعة 08 أيار 2020 197

علم الوراثة..  مفتاحٌ آخر لفهم الاختلافات في آثار «كورونا»
باريس/ أ ف ب
 

رغم أنهم صغار في السن وبصحة جيدة، وجدوا أنفسهم في الإنعاش إثر الإصابة بـ(كوفيد - 19)، ليشكّل ذلك أحد الأوجه الغامضة للوباء، يسعى العلماء حول العالم إلى كشف أبعادها عبر دراسة تأثير المسار الوراثي.

وغالبية من عانوا من مرض خطير جراء الإصابة بفيروس كورونا المستجد هم متقدمون في السن ويعانون من أمراض مسبقة.
 
ضحايا صغار
لكن العالم في علم الوراثة جان - لوران كازانوفا مهتم «بالباقين الذين تبلغ نسبتهم بين 4 و5 %، هم من دون الخمسين عاماً وصحتهم جيدة»، وقعوا ضحايا شكل خطير من المرض لم يكن تفسيره ممكناً، أي « كشخص استطاع أن ينهي ماراتون في تشرين الأول 2019 ووجد في نيسان 2020 في الإنعاش موصولاً بالأكسجين والأنابيب»، كما يوضح لفرانس برس.
ويضيف كازانوفا المدير المشارك لمختبر علم الوراثة البشرية للأمراض المعدية في معهد «إيماجين» في باريس وجامعة روكفلر في نيويورك أن «الفرضية هي أن لهؤلاء المرضى عوامل وراثية تكون صامتة لحين التقائها بالفيروس».
وانطلاقاً من تلك الفرضية، بدأ ائتلاف «كوفيد هيومن جنيتيك إيفورت» بدراسة حالات مرضى من الصين وإيران وأوروبا وأميركا الشمالية واليابان. ويجري أخذ عينات من دمهم وتشريح حمضهم النووي ثم تحليل التسلسلات الوراثية، عبر اختيار «عوامل وراثية» لتحديد ما إذا كانت هي «المذنبة» أو لا، وفق كازانوفا.
من جهته، يلفت الباحث في مستشفى لوزان الجامعي ومدرسة لوزان الاتحادية للعلوم التطبيقية جاك فيلاي إلى أنه «قبل سنوات، لكنا اتهمنا الصدفة بذلك، لكن الأمر ليس ذنب الصدفة وحدها».
 
الشريط الوراثي
ويوضح هذا الخبير في علم الجينوم (الشريط الوراثي) والأمراض المعدية «لدينا اليوم الإمكانات لتحليل الشريط الوراثي لهؤلاء الأشخاص، ومعرفة ما إذا كانوا ضحايا لنوع نادر من التحول الجيني، تجعلهم عرضة بشكل خاص لفيروس سارس – كوف - 2».
نجح العلم في السنوات الأخيرة بتحديد عوامل وراثية مسؤولة عن جعل حامليها أكثر قابلية للتضرر من عدة أمراض معدية، كالسل، وصولاً إلى الانفلونزا ومروراً بالتهابات الدماغ الفيروسية.
لكن يشير الخبراء إلى أن اختلاف الرد المناعي من شخص لآخر ليس بالضرورة مرتبط بتحول وراثي واحد فقط.
ويقول البروفسور فيلاي «نظامنا المناعي يعمل بشكل مشابه لآلية عمل ساعة ميكانيكية»، التي يجب أن تعمل جميع عناصرها معاً.
ويضيف هذا الطبيب السويسري أن الامر أشبه «بوجود حبة رمل في مواقع مختلفة من الحلقات، وكل حبة من هذه الرمال قد تتخذ شكلاً وموقعاً مغايراً عند مجموعة من المرضى، لكنها تؤدي إلى النتيجة نفسها»، وهي شكل خطير من المرض.
 
مسارات علاجية
ولذلك، يقول مدير معهد الطبي الجزيئي في هلسنكي مارك دالي، «نحتاج إلى عينة كبيرة جداً وتعاوناً» من باحثين من مختلف أنحاء العالم.
والهدف هو تجنيد 10 آلاف مريض، عبر مبادرة «(كوفيد - 19) هوست جنيتيك»، ومشاركة النتائج مع 150 مركز أبحاث، وفق دالي، على أمل التوصل إلى «معلومات مفيدة خلال الصيف».
غير أن الوقت الذي يحتاج إليه تحديد تلك العوامل الوراثية «يعتمد على ما تخبئه الطبيعة لنا»، كما يشير جاك فيلاي.
ويوضح «قد نجد أهدافاً سهلة التحديد، لكن أيضاً قد يكون علينا العمل لأشهر، بصبر، كالرهبان الذين كانوا يقومون بنسخ الكتب الدينية، نراجع ملفاتنا الهائلة ونجري تحليلات طويلة الأمد».
وإذا ما أثمر هذا العمل عن نتائج، قد يقود إلى اكتشاف مسارات علاجية.
ويشير مارك دالي إلى أنه «إذا عثرنا على مؤشرات جينية توجهنا نحو جينٍ سبق أن 
طور عقار مرتبط به، يمكن لنا حينها فقط أن نعيد تحويل هذا العقار».
لا شيء مضمونا
لكن لا شيء مضمونا أيضاً من هذه الناحية. ففي حال «لم يكن هناك دواء مسبق (ضد القصور الجيني الذي جرى تحديده)، سنحتاج إلى 5 سنوات لتطوير جزيئات جديدة»، وفق البروفسور فيلاي.
والأسوأ من ذلك أن الأمر قد لا يقود إلى أي نتيجة، إذ قد يكون التحول الجيني الذي اكتشف غير قابل لـ»التحريك»، أو أن المساس به قد يؤدي إلى آثار جانبية عديدة.
تسعى الأبحاث الوراثية المتعلقة بفيروس كورونا المستجد أيضاً إلى تحديد خلفيات تنوع العوارض، وكذلك قدرة بعض الأشخاص على مقاومته.
ويذكر الطبيب كازانوفا أن «ممرضين وأطباء وأزواج بعض المرضى لم يمرضوا ولم يتأثروا بالفيروس»، موضحاً أن «الفرضية هنا هي وجود عوامل وراثية تجعلهم مقاومين للفيروس». وينطبق ذلك على فيروسات أخرى.
وعلى سبيل المثال، يمنح تحول وراثي في الجين «سي سي أر 5» مناعة طبيعية ضدّ فيروس نقص المناعة البشرية. وسمح هذا الاكتشاف بتطوير استراتيجيات علاجية.
وشفي مصابان بفيروس نقص المناعة في 2011 و2020 بعد عملية زرع خلايا جذعية من متبرعين يحملون هذا التحول في الجين «سي سي أر 5». كما أمكن تطوير عقار «مارافيروك» أيضاً على هذه القاعدة. ويضيف فيلاي «علم الوراثة وسيلة لاستكشاف علم الأحياء، لكن العلاج نفسه لا علاقة له بعلم الوراثة».