متابعة أولية وعتبة للبدء

الأحد 10 أيار 2020 137

متابعة أولية وعتبة للبدء
د. عواطف نعيم
 
 
 
منذ خمس من السنوات العجاف ونحن ننتظر أن تتحرك عجلة الدراما العراقية التي توقفت بعد فترة نشاط تلاها فتور، وكانت الاعذار حين يتم السؤال عن أسباب هذا الفتور أن الموازنات المالية للدولة العراقية تشهد تراجعا وشحة لاسباب عديدة لعل في مقدمتها الانشغال بحرب داعش!، ومع انتهاء هذه الحرب بجهود وبطولة الجيش العراقي والحشد الشعبي والشرطة الاتحادية بدأ السؤال يعود للظهور، أين الدراما العراقية؟ 
وهناك فنانون بينهم الكاتب والمخرج والتقني والممثل والعامل وهناك جمهور المتلقين من العراقيين الذي يبحثون عبر القنوات الفضائية العراقية المتعددة عن دراما عراقية تعبر عما في ضمائرهم وتكون لسان حالهم والصوت الرافض للظلم والاستبداد لهم، يبحثون عن دراما عراقية تنشر بينهم الفكر النّير وتزرع حولهم قيم الخير والعدالة الاجتماعية وتفتح أمامهم أبواب الامل بالقادم من الايام، وما بين الايديولوجيات المتعددة بتعدد الفضائيات وتوجهاتها وتعدد الافكار واختلافها ظلت الدراما العراقية أسيرة الادراج والتخطيطات والبرامج التي لم ترَ النور، وظلت أغلب الفضائيات ولاسيما تلك القادرة على الانتاج وتمتلك رأس المال تتعامل مع الدراما العربية المصرية والسورية والخليجية وتقدمها بعد شرائها بمبالغ كبيرة وبالدولار لتقدمها في عروض ثالثة ورابعة دون أن تسعى لتفعيل عجلة الدراما العراقية وتنهض بانتاج مسلسلات درامية ذات مستوى فني وثقافي عالي يليق بتاريخ الدراما وبتلفزيون العراق الذي يعد أول محطة تلفزيونية تبث برامجها في الشرق الاوسط !
 لم تكن الفضائيات العراقية جادة في التعامل مع المنجز الدرامي العراقي بل كانت الغالبية منها تعمد الى تقديم برامجيات درامية ترفيهية فيها الكثير من الاضحاك مقابل الكثير من التسذيج والتبسيط وأحيانا التسفيه وبتلك الطريقة روّجت تلك الفضائيات لأسماء وخلقت نجوما فرضتهم على الواقع الفني المعاش وعملت بعض من هذه الفضائيات سواء هذه التي تعمل بالمال العام أو تلك التي تموّلها محطات ومؤسسات عربية على اقصاء وتهميش العديد من الاسماء الفنية العراقية التي لا تتماشى أو تقترب من توجه هذي القناة أو تلك، لذا أبعدت أسماء وتم تغييبها وتصدرت في الواجهة الاعلامية أسماء ووجوه جاءت لاسباب وبرّزت لهدف، نحن نناقش واقعا معاشا وليس تاريخا قديما كي لا يسارع البعض الى التشكيك وبث 
الاتهامات!!
 أمام هذه الموجة المرتبكة عمد بعض من الشباب – وأغلبهم من خريجي معاهد وكليات الفنون الجميلة أو مازالوا من  الدارسين فيها - الى خلق كروبات فنية تتولى تقديم بعض الاستكشات الكوميدية المغلفة بالنقد الواعي والرصد المسؤول لما يدور في أروقة الحياة السياسية العراقية والاجتماعية، وكان لانفتاح سموات السوشيل ميديا على سعتها أمامهم بابٌ للترويج لتلك الكروبات الفنية التي بدأت تفرض وجودها وتسمع صوتها للاخرين، مما دفع عددا من الفضائيات الى تبنيها ودعمها، فأصبحت كيانات لها اسمها ولها برامجها الموسمية التي تقدمها، ولكن الدراما العراقية بقيت أسيرة الواقع المالي لتلك الفضائيات، ولعل العراقية هي أكثر الفضائيات مسؤولية في دعم الدراما وكانت خطواتها الاولى مبشّرة بالخير لكنّها أخطأت في تحديد أهدافها منذ البداية، فقد كان جّل الاهتمام لدى القائمين عليها هو الاستعانة بشركات انتاج عراقية تقوم هي بمدها بالمال كي تكون منتجا منفذا للعمل الدرامي ثمّ تأخذ منها المنجز الدرامي دون وجود رقابة حقيقية ومتابعة في كيفية وضع الميزانيات وأبواب الصرف وتنفيذه، فجاء المنجز الدرامي العراقي يابسا مثل وليد لم يكتمل نضجه إلّا بعض الاعمال التي تعد على عدد أصابع اليد، وعدم وجود التسويق الدرامي لتلك الاعمال  شكّل علامة استفهام كبيرة أمام الجهات الممولة لها!  ماهو السبيل لتسويق هذه الاعمال لكي تأتي بمردود مادي يمنحها الاستدامة والتواصل ويسد كلف انتاجها!  لم تسوّق تلك الاعمال حتى على الفضائيات العراقية ذاتها وهي كثيرة، ولعل أول الاسباب التي أدت الى عدم التسويق لتلك الاعمال هي البعض من المواضيع المكررة وذات النفس الطائفي والتوجه الفكري المغالى به والذي بات واضحا في ثنايا تلك الاعمال شخوصا وأحداثا ومعالجات درامية، في خضم هذا العزوف والفتور ظهرت فكرة لجنة دعم الدراما التي أوجدتها شبكة الاعلام العراقي التي سعت الى تفعيل عجلة الدراما العراقية من خلال الاستعانة برابطة المصارف العراقية، نجحت اللجنة في توفير الدعم المادي وكان أن أنتجت عملين دراميين في أولى خطواتها وهما يعرضان الان من على شاشة العراقية الاول  (يسكن قلبي) للمؤلف باسل الشبيب والمخرج أكرم كامل والثاني هو (عائلة خارج التغطية) للمؤلف قحطان زغير والمخرج علي أبو سيف، أما قناة الشرقية وهي من القنوات المهمة التي لها في مواسم رمضان أعمال درامية فانها قدمت في الموسم الرمضاني السابق المسلسل المهم للعام 2019 مسلسل (الفندق) للمؤلف حامد المالكي والمخرج حسن حسني وحقق العمل حضورا مهما ولقى نجاحا  كبيرا لدى المتلقين، أما هذا الموسم الرمضاني وبسبب جائحة كورونا فانها اكتفت بانتاج العمل الدرامي (كمامات وطن) لمؤلفين مختلفين وللمخرج سامر حكمت والعمل برنامج  درامي انتقادي يتخذ من الكوميديا أسلوبا ومعالجة، أما القناة الجديدة وهي الام بي سي عراق وهي التي تعودت منذ انطلاقتها على تقديم الاعمال الترفيهية ذات التوجه الكوميدي بأسلوب (الفارس) فانها قدمت ثلاثة أعمال هي (غايب في بلاد العجائب) وهو برنامج درامي نقدي ساخر لمؤلفين مختلفين ومخرجه أسامة الشرقي والعمل الآخر هو (واحد + واحد) لمؤلفه باسل الشبيب ومخرجه جمال عبد جاسم أما العمل الثالث فهو (أحلام السنين) لمؤلفه شوقي كريم والمخرج علي أبو سيف، أما القناة الجديدة التي ظهرت خلال هذا الموسم الرمضاني  والكوروني فهي قناة (يو تيفي) قدمت برنامجا دراميا يتناول قضايا اجتماعية بأسلوب نقدي ساخر والعمل من تأليف أحمد وحيد واخراج علي فاضل، السؤال الذي ينبري أمامنا ما الذي أثار موجة الانتقادات والاساءات وتوجيه الاتهامات والنقد اللاذع لعدد من هذه الاعمال التي ما زالت في بداية أحداثها! 
ولا يحق الحكم على أي منجز فني دون الاحاطة به بأكمله بعد أن يستكمل دورته ويكشف كل أوراقه ويطرح ما في جعبته من رؤى وتوجهات ومعالجات درامية، وكي نكون منصفين ونكون موضوعيين في اطلاق الاحكام لا بدّ من التأني والمتابعة واحترام ما يقدم بوصفه جهدا فنيا وثقافيا وإرثا دراميا يقدم الفنان العراقي ويحمل رسالته الفكرية والاخلاقية، وهؤلاء الذين يعملون ويبدعون في ظروف العراق العصيبة والموجعة لا بدّ من النظر اليهم بعين الاحترام والاعتزاز بعيدا عن التجني والكيل بمكيالين قريبا من روح الفن بوصفه مغامرة حرة لا ثوابت تعيقها وتكبح فعلها وقولها وتشخيصها للحقيقة، الفنون ابنة الحرية والرأي النّير بعيدا عن قيود التعصب والمغالاة والاستعداء، لذا سنكمل رحلتنا النقدية مع تلك الاعمال الدرامية بعد أن يطوي شهر الخير رمضان الكرم أوراقه ويغادرنا، ونأمل أن تغادرنا أيضا  جائحة الكورونا التي كانت واحدة من أسباب امتعاض البعض وتوجهه بالغضب والنقد اللاذع  للاعمال الدرامية العراقية دونما تروٍّ و
تأمّلٍ.