الحنينُ كتاباً

الأحد 10 أيار 2020 120

الحنينُ كتاباً
أسعد الجبوري
 
دونكيشوت: المصباحُ الذي يضيء اليوم، ربما لا يضيء غداً . أليس كذلك يا سانشو؟
سانشو: لا أعتقد ذلك يا سيدي الدون. فيمكن شحنه أو تزويده بالزيت ليعودَ وينير .
دونكيشوت: أنا أتحدث عن مصابيح العقل، لا عن مصابيح الغرف والشوارع  .
سانشو: ومن أية طاقة تتغذى مصابيحُ العقل يا سيدي الدون. هل في الرأس ثقبٌ، وتتم تعبئته بالغاز أو الزيت أو النفط فيمتلئ بالطاقة ويشتعل؟
دونكيشوت: يا لسذاجتك يا سانشو. لو اشتغلت 1% من خلايا هذا العقل الذي برأسك، لأصبحت سوبرمان الأفكار والاختراعات التي لا حدود لها.  
سانشو: لا أريد للأفكار أن تنفجر برأسي وتمحينّي . تكفيني بغلتي الجميلة وبعض الذكريات النابتة كالعشب تحت هذا القحف الذي بات حملهُ ثقيلاً على جمجمتي. 
دونكيشوت: وهل من ذكريات تجذبكَ يا سانشو ؟
سانشو: أجل يا سيدي الدون، فالحنينُ للذكريات، كما الحنين لقارة تملؤها الأنهرُ . 
دونكيشوت: نعم . فالحنينُ مظلةُ العاشق المستترة. ولكن قل لي:  هل كنت عاشقاً ؟
سانشو: أجل. وما زلتُ . فالحنينُ يفيضُ على تراب جسدي ويجدّدني.
دونكيشوت: كأنّك تريد أن تقول بأن الحنين مرآة الغريب . أليس ذاك ما تفكر به ؟
سانشو: أشعر أحياناً، بأنني والحنين كقطار، ينشطُ بقطعِ أكثر الصحارى قسوة في حياتي. بل وكنت أرى الحنين كمخلوق آدمي، عادةً ما يستولي على ممتلكات جسمي في الليل .
دونكيشوت: هل تستمع لموسيقى؟
سانشو: بالطبع يا سيدي الدون، ولكن ما علاقة الموسيقى بالحنين؟
دونكيشوت: هناك علاقة متينة ما بين الاثنين. فالحنين يا سانشو هو لغةُ الكمنجات.
سانشو: لا تضيّعني يا سيد الدون، فأنا واقعٌ في بئر اسمه الحنين لتلك البلاد، ولا أحتاج لمن يخرجني من هناك. فحنيني رمالٌ متحركةٌ في أعماقي .
دونكيشوت: أصبحت تخيفني بأفكاركَ التي تهبّ علىّ كالعاصفة ما بين الفينة والأخرى. وأني لرافعٌ قبعتي إليك يا صديق العمر يا سانشو.
سانشو: لقد بات الكلام في الحنين، كالكلام في الشجن.
دونكيشوت: يا للهول. وقد ينضجُ الحنينُ بداخل المرء حتى يصبح كتاباً.
سانشو: ما تراهُ هو حقيقةٌ يا سيدي الدون. لذا فكنْ مطبعةً لذاك الكتاب المُتّخيّل الذي تحدثتَ أنتَ عنه يا سيدي الدون .
دونكيشوت: ما أن نتخلص من مطابع الطواحين، حتى نتحوّل على الفور إلى طباعة الحنين على الثياب والأوراق والجدران . ففي الحنين شوارعٌ لا يمر بها إلّا من أصابهم الدهرُ بالشغف. 
سانشو: الحقُ معكَ. كأن تفكر بهذه الطريقة وتقول لي ذلك، فما من دابّة تجري على الأرض إلّا ولها صحيفةٌ في الشغف المبثوث حنيناً ولوعةً، قد تصلُ درجتهُ إلى الجنون .
دونكيشوت: هكذا اختبرتنا الطواحينُ بين فكيّ الوجود والعدم طويلاً، حتى صار الحنينُ إلى النوم في حضن الحبيب بطاقةُ ائتمان المشتاق.
سانشو: أتعلم يا سيدي الدون بأنني سمعتُ أحداً يقول في الراديو، ان الحنين غدّةٌ من الكريستال تقع في مقدمة دماغ العاشق. ولا أدري مدى صحة ذلك !!
دونكيشوت: وأنا سأقول لك ما هو أبعد من ذلك يا سانشو، ألا وأن لا أعمق من الحنين في مجرى دم المخلوق الموهوب للغرام.
سانشو: الله يا سيدي الدون. يا من جعلتَ للحنين ذاكرةً لا تعرفُ نوماً أو هموداً ولا برداً يقرسُ خدَ الحبِّ في حضرة المحبوب. 
دونكيشوت: وأنا أبصمُ لك بهذا الرمح التاريخي بعشرٍ من الطعنات، بأنك ستصبح شاعراً عما قريب يا سانشو.
سانشو: ليس أجمل من أن يكون الحنينُ جبهةً ضدّ الحجر والمُتحّجرات. أليس كذلك يا سيدي الدون؟
دونكيشوت: كنْ للحنين وطناً وكفى.