اندحارُ المفاهيم الكبرى

الاثنين 11 أيار 2020 156

اندحارُ المفاهيم الكبرى

محمد صابر عبيد
 
تتحرّك الحياة دائماً في سبل مختلفة لأجل أن تبني سلسلة من المفاهيم الكبرى التي تفرضها على الناس بِحُكم أسس ضاغطة لا يمكن للإنسان تجاوزها، لكنّها تخضع في الوقت نفسه لما تفرزه الطبيعة أولاً، والحضارة ثانياً، من ضرورات تعرّض هذه المفاهيم الكبرى للخطر وتفرض نظريات جديدة لتغييرها، ومن صراع الطبيعة مع الحضارة تولد مفاهيم جديدة على أنقاض اندحار مفاهيم قديمة تنتهي صلاحيتها لتصبح شيئاً من الماضي.

قد يتبادر إلى الذهن سؤال إشكاليّ هنا عن طفولة الطبيعة وشيخوختها في ظلّ هذه الرؤية، هل الطبيعة في طفولة دائمة أم أنّها تشيخ أيضاً؟ وهل تُعدُّ الحضارة صاحبة اليد السوداء في الدفع بالطبيعة نحو هذه الشيخوخة؟ وهل يمكن استخدام العلم لأجل تأجيل هذه الشيخوخة ما استطاعت وسائل المعرفة الحديثة والعلم الحديث إلى ذلك سبيلا؟
يجدّد العلم بلا شكّ شبابه باستمرار على حساب شيخوخة الطبيعة، وربّما يخفق بعد فوات الأوان في تعمير ما خرّبه من جسد الطبيعة كي يضمن مزيداً من الشباب في حيواته وأدواته وإجراءاته، على النحو الذي يدفع الطبيعة كي تثور وتضرب امبراطوريّة العلم في الصميم وتشلّ طاقة البرهان في أرجائها، فهندسة الطبيعة تقوم أساساً على معادلة متساوية الجناحين لا تقبل النقاش أو السجال أو التوافق أو التآمر أو إعادة التشكيل، وهي أنْ توفّر لنزلائها من البشر والحيوانات والنباتات المختلفة “وربّما حتّى الجمادات” ما يجعلها قابلة للحياة، وحين يختلّ طرف من طرَفي المعادلة لا بدّ من عملية جراحيّة تنطوي أحياناً على تضحيات كبيرة لأجل الحفاظ على حياة أكبر لآخرين عالقين على شفا الموت.
يمكن وصف “الثروة” بوصفها أحد الأدوات اللازمة لإدامة الشباب في مرافق الطبيعة المختلفة، وهي تتعرّض الآن في ظلّ “كورونا” للنفاد والإفلاس ومن ثمّ العودة إلى المربّع الأوّل الموصوف بـ”البدائيّة” الأولى، بلا علم ولا قوّة ولا ثراء ولا بذخ ولا نفوذ ولا رفاهية، وصار اللجوء أخيراً إلى العرفان وكأنّه الحلّ الوحيد حين يقول المسؤولون الكبار في إيطاليا مثلاً بأنّ حلول الأرض أخفقت ولم تبقَ سوى حلول السماء، وفي ظلّ هذه القناعة هل على العالم المتقدّم الآن أن يعيد مقاربة معادلة الثراء والفقر الكونيّة، إذ قلّة قليلة تملك جلّ ثروات العالم وملايين يموتون من الفقر كلّ يوم بل كلّ ساعة بل كلّ دقيقة بل كلّ ثانية؟.
هل بلغ توحّشُ رأس المال وإيغاله في شهوة الكسب الشَرِهِ من دون الالتفات إلى ما يمكن “أو ما يجب” أن يتّصف به رأس المال هذا من إنسانيّة محتمَلَة؟ فالأرقام دائماً وأبداً هي التي تتحكّم بسيرة رأس المال ولا يُسمح لغيرها مهما كان الدخول إلى باحتِهِ أو الاطلاع على حياته الداخليّة وأسراره، وأرقام رأس المال بالنسبة إليه لها لون وطعم ورائحة لا يراها ولا يتذوّقها ولا يشمّها من هو خارج محيط الفضاء الرأسماليّ المحدود جداً.
يتلاشى في هذا المضمار مفهوم “العدل” بوصفه أحد الحلول الضامنة لسيرورة الحياة وجمال الطبيعة وحيويّة الحضارة وإنسانيّة البشر، لكنّ هذا المفهوم للأسف يستحيل تطبيقه في ظلّ أنظمة ومفاهيم ونظريات ماديّة لا تستعين بالروح في اقتراح الحلول المناسبة لمشكلات الكون، لأنّه يصطدم بسؤال الإنسان إذا ما كان هو الهدف والغاية، أم أنّ المال والثروة والجاه وحبّ السيطرة والهيمنة والتفوّق واحتكار الحقيقة هو المطلوب؟ وهل انتفاضة العالم اليوم ضد ما تضمره الطبيعة للإنسان من أخطار هي من أجل الإنسان، أم من أجل الاقتصاد العالميّ الآيل للسقوط في ظلّ مديونيّة عالميّة هائلة تفوق كثيراً حجم الإنتاج؟
هذا الإنسان فيما مضى وحتّى الآن يموت يومياً أكثر بعشرات المرات من موتى “كورونا” لكن لا أحد يكترث بذلك، ربّما الانتفاضة اليوم بلغت هذا المبلغ لأنّ الفيروس وصل إلى الإنسان الحاكم والإنسان الثريّ والإنسان القويّ والإنسان السلطة، وتعرّضت النظريات والعلوم والمعارف وكلّ أنشطة الحياة 
للتهديد بالفناء، ولقد تكشّفت أزمة كورونا في هذا المضمار عن ستراتيجيّة افتعال الغموض والتمويه والتناقض وانعدام اليقين وتضارب الأخبار، وصراع الأمل 
واليأس في دوّامة مرعبة لا رأس لها ولا أساس، وألحقت على هذا النحو كثيراً من الأذى النفسيّ والعصبيّ في الناس غير المصابين بهذا الفيروس، فكيف هم المصابون به في ظلّ ظروف صحيّة غير مناسبة لكثير جداً من سكّان العالم لا يجدون أبسط شروط العناية الصحية اللازمة بهم، على أمل شفائهم وإنقاذهم من خطر عنيد يحدق بهم من الجهات كلّها؟
ركب كثير من تجّار الحروب والأزمات موجة الفيروس ودفعوا باتجاه تيسير السبل للكسب غير المشروع بإشهار علامات الرعب والتهويل وتحطيم المعنويات وكسر الإرادات، والناس في ضعف شديد حين وجدوا أنّ حياتهم يتهدّدها خطر قريب لا يعرفون كيف يدرؤون جنونه ويستبعدون احتمالات نقله إليهم من أقرب الناس، ولاسيّما أنّ هذه الهجمة الفيروسيّة العجيبة تمكّنتْ من الكشف عن سقوط الزعامات الكبرى في السياسة الدوليّة والإمبرياليّة العالميّة، وغياب مفهوم البطل في 
الكثير من مرافق الحياة، والحاجة إلى ملء الفراغ الناشئ من 
هذا السقوط والغياب على النحو الذي غيّر معادلات كثيرة 
كانت إلى الأمس القريب أشبه بالمقدّسات.
خلقت أزمة كورونا مشكلات كثيرة في جوانب الحياة المختلفة، ومنها مشكلة “المعنى” وقد تعرّض لاختزال الحياة ودفعها باتجاه اللاشيء، أو استبدال اللامعنى بالمعنى في طبقات كثيرة من جوهر المفهوم، فاللامعنى على هذا النحو قد يساوي الجنون، لأنّ العقل البشري تعوّد على أن يحفظ وجوده بالمعنى العمليّ الواضح القابل للفحص والإمساك والرؤية.
يمكن معاينة الوضع الإنسانيّ الجديد بمفاهيمه الجديدة بوصفه عالماً بالغ الهيمنة من السكونيّة والخوف والحذر والريبة والتحسّب والانتظار والملل والحرمان والفقدان والسجن والغياب، وتغيير العادات أو تكييفها أو تحويلها من منزلة إلى أخرى ومن نطاق إلى آخر، وتصاعد الحاجة للخدمات الصحيّة والغذائيّة والأمنيّة التي لم يكن يفكّر فيها الإنسان عندما كان حرّاً طليقاً، لأنّه كان يمرّ بهذه التجربة أحياناً من غير أن ينتبه لسلطتها المدمّرة، وقد انتبه الآن لحاجته الكبرى لها للدفاع عن وجوده جرّاء التهديد الغامض الذي يتربّص به ويستهدفه بروح انتقاميّة غير مفهومة.