زمن العمل والعقول

الثلاثاء 12 أيار 2020 406

زمن العمل والعقول
ميادة سفر
 
انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة كتب عليها ما مفاده: أنّ الكتب نفدت من منافذ البيع في المكتبات وسواها في معظم الدول الأوروبيَّة، بسبب الطلب المتزايد عليها في فترة الحجر المنزلي المفروض بعد تفشي وباء كورونا، والذي استمر في بعضها لأكثر من شهرين وثلاثة أشهر.
مضيفاً «صاحب الصورة» عليها تعليقاً تضمن: ماذا نفد عندكم بالمقابل أيها العرب؟ المأكولات والمشروبات؟! في إيحاء واضح إلى حالة التردي الثقافي التي وصلت إليها كثير من الدول العربيَّة، وعدم إفادة الكثيرين من فترة الجلوس من المنازل بقراءة الكتب وزيادة الثقافة، وأنّ هم العربي الأول والآخر «بطنه»، فطالما امتلأ هذا البطن فكل الأمور سهلة، وفقاً للتعليق على الخبر بشأن نفاد الكتب في أوروبا.
جعلتني تلك الصورة وما رافقها من تعليقات للبحث عن هذا الموضوع والتأكد من مدى صحته، هل من المنطقي أنْ نكون شعوباً لهذه الدرجة من السذاجة بحيث لا نفكر إلا في الطعام؟، أم أنّ ثمة جوانب أخرى واهتمامات جديرة بالملاحظة، فكان سبيلي إلى ذلك وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً «فيسبوك» بوصفه الأكثر استخداماً في عالمنا العربي. في جولة سريعة على الصفحات الخاصة ببعض دور النشر والمكتبات في عددٍ من الدول العربيَّة، سأجد ما لم يفاجئني شخصياً على اعتباري من المهتمين بالكتاب، قيامهم بتقديم العروض على مجموعات من الكتب المتنوعة من روايات وفلسفيَّة وعلميَّة وفكريَّة مختلفة للقارئ وبأسعار مقبولة تتناسب إلى حدٍ ما مع الأوضاع الاقتصاديَّة التي أفرزتها الظروف الحالية، فضلاً عن لجوء كثير منها في ظل الحجر المنزلي السائد بإتاحة خدمة التوصيل إلى المنازل، تشجيعاً للقارئ على القراءة من جهة، وتشجيعه على الالتزام بالحجر من جهة أخرى، تلك الظواهر التي لم يخل بلد عربي منها تقريباً، من سوريا إلى لبنان والعراق وسلطنة عمان وفلسطين وغيرها من دول أسهمت المؤسسات الثقافية فيها بهذه المبادرة، وكانت الصور التي نشرت مبينة رزم الكتب المطلوبة والمجهزة لإرسالها إلى القراء دليل حي على وجود قارئ ما زال مهتماً وشغوفاً ووفياً للكتاب، كما لاحظت منشورات لأشخاص كثيرين يتحدثون عن العودة إلى القراءة بعد انقطاع، مستغلين الظرف الراهن والوقت الفائض لديهم. 
وعوداً على بدء، ما زلنا مستمرين بعملية «جلد الذات» نمارسها على أنفسنا أولاً وتالياً على أفراد المجتمع، ولا نرى إلا النصف أو الربع الفارغ من الكأس، ونقارن حالنا بأحوال دول أكثر تقدماً وتطوراً، وننتقد لمجرد النقد من دون أنْ نحرك رجلاً من مكانها.
هذا لن يحل المشكلة، ولن يسهم بإخراجنا من القاع الممتلئ بالوحل، التغيير يبدأ بالعمل وليس بالكلام المجرد فقط، لكي تشجع على القراءة مثلاً «يا أنت» المتذمر، أقرأ كتاباً وتحدث عنه وانصح بقراءته لترى على الأقل أثنين من أصدقائك بادروا إليه وهكذا تتدحرج نتفة الثلج لتصح كرة
كبيرة.