فوكو وتفكيك مؤسسات الجنون والجنسانية والمعرفة

الأربعاء 13 أيار 2020 125

فوكو وتفكيك مؤسسات الجنون والجنسانية والمعرفة
 
يوسف محسن 
 
 
اسهم ميشيل فوكو من خلال ابحاثه الفلسفية والسياسية والمعرفية ونضاله اليومي في طرح الاسئلة على مختلف حقول المعرفة البشرية فضلا عن اسهامه في نقد الحداثة داخل المنظومات الفكرية والفلسفية  للمجتمعات الغربية وإخضاعها  للمساءلة النقدية. فضلا عن بلورة رؤية منهاجيه للانسان والسلطة والجسد والجنسانية والتاريخ بوصفها قطائع وفواصل وتحولات وليست تكوينات مكتملة سرمدية كاشفا عن بنى خفية (نظام أبستمي) تتحكم في البنيات المعرفية والسياسية وكانت اعماله الفكرية والفلسفية وابحاثه ومحاضراته هي محاولة للكشف عن هذا النظام الأبستمي، وتكمن  قيمة فوكو بكونه مناضلا منخرطا  في النقاشات الاكاديمية والنضال اليومي ضد القمع والطغيان والكبت  السياسي والانظمة الشمولية والوحشية.
 
فيلسوف القطيعة
يقول عنه الفيلسوف الالماني بيتر سلوترداك: ان فوكو يمثل قطيعة لم يفهمها الى اليوم سوى قلة من المفكرين، فقد اسهم  فوكو في نقد العقل الغربي وجميع اشكال الهيمنة التي رافقت ظهوره واثبت من خلال التحليل وقراءة تاريخ هذا العقل انه ليس معرفيا بالمطلق، إذ انه  دائما متورط في التسلط والانغلاق والهيمنة والقمع والاستبداد، فضلا عن ذلك نقد العقل التنويري (اي التصورات الكلاسيكية التي ضخمت العقل الغربي) هذا العقل الذي خلق السلاسل والاغلال على حد تعبيره ويتساءل تشارلز لمرت، من هو ميشيل فوكو؟ هل هو ماركسي ؟ بنيوي ؟ سيميائي ؟ ساحر؟ فهو يستعمل مصطلحات الطبقة  ، الاقتصاد السياسي، الانتاج، رأس المال، سلطة العمل، الصراع ولكن علاقته بالماركسية واهية، نرى له اهتمامات بنيوية بالاشكال الشمولية، وفي اعماله  الفلسفية كشف عن الاشكال البنيوية وعمق طبقات الفكر الغربي، الا انه ينكر النزعة البنيوية، في كتابه (الكلمات والاشياء) نتلمس لديه اتجاها سيميائيا واضحا من خلال دراسته للنحو العام والعلاقة بين العلامات ولكنه يبدو بالرغم من ذلك اكثر من محض سيميائي.
 
الناشط السياسي اليومي
ولد فوكو العام 1925، دخل دار المعلمين العليا العام 1946، اذ تعرف على لوي التوسير ، في العام 1952انخرط في الحزب الشيوعي الفرنسي ، بعد سنتين غادره  ، في العام 1959، انهى كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي)  وكذلك حدد اطروحته التكميلية بعنوان  ( نشأة انتربولوجيا كانط وبنيتها  )  العام 1962، اصبح استاذاً خلفا لموريس مارلويونتي واصبح عضواً في هيئة تحرير مجلة (النقد) التي اسسها جورج باتاي وجان بيال وفي العام 1963 اصدر كتابه (ولادة العيادة) وفي العام 1966 اصدر كتابه (الكلمات والاشياء) وفيه اعلن (موت الانسان) غادر الى تونس وشهد الثورات الطلابية المناهضة للامبريالية وعمل على حماية الطلاب التونسيين من القمع، فضلا عن ذلك عاد الى فرنسا وشارك في احداث ايار 1968 في تجمع شارليتي والمتظاهرات الاخيرة في باريس، العام 1969 اصدر كتاب (حفريات المعرفة) وشغل في الكوليج دي فرانس كرسي (تاريخ انساق  الفكر)، اسس مع جان ماري ودميناش و بيار فيدال (فريق الاعلام الخاص بالسجون )  وقد مثلت تجربة سياسية ميدانية، كانت مهمة هذا الفريق النضال من اجل العدالة والطب النفسي والجنسانية والدفاع عن حق المثليين في المواطنة، اي اضفاء البعد السياسي على المشاكل اليومية، وكذلك اقرار صيغ جديدة للنضالية، إذ قاد تظاهرة مع جان بول سارتر ومالرو ومونتان وريجيس دوبيري العام 1976 اصدر كتاب (تاريخ الجنسانية) وفي العام 1977 قاد تظاهرة على مسرح ديكاميي ضد استقبال فرنسا اليونيد بريجنيف وقد حضر فيها جميع المثقفين الفرنسيين والمنفيين المعارضين للنظام السوفياتي، ساند نقابة التضامن البولندية عبر بيان مشترك مع بيار بورديو ضمن سياق عمل مشترك. وفي 25 حزيران 1984، توفي ميشيل فوكو بعد تجربة جسدية وروحية، مخلفا وراءه ثورة فكرية ومنهجية وقطائع في الفكر الغربي الحديث وملفات سياسية واجتماعية واقتصادية في المجتمعات الغربية.
 
سفينة الحمقى
 يعد كتاب (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) احدى القطائع الكبرى داخل منظومة الفكر الفلسفي الغربي الحديث، في هذا الكتاب اتجه فوكو الى تحليل المصادر الهامشية في المجتمعات الغربية (محاضر الشرطة، كتب السحرة، المؤلفات التاريخية المقصية عن حقل التداول الثقافي) كان الغرض من ذلك متابعة المتغيرات الحاصلة في طبيعة  الخطاب حول الجنون فضلا عن التحولات التي حدثت في مؤسسة الجنون، في هذا المشروع الضخم يحلل فوكو العلاقة بين مفهوم الجنون ومفهوم العقل، هذه الثنائية التي اشتغل عليها الفكر الغربي منذ القرن السادس عشر ثم عصر (التنوير) ليخلخل طبيعة هذه العلاقة الوهمية، ويوضح فوكو ان بدايات تاريخ الجنون ظهرت مع نهاية (عصر المصابين بالجذام) وحلول المشردين والمهمشين في التاريخ الادبي والثقافي والفلسفي، ومن ثم ظهور (سفينة الحمقى) في السرديات التاريخية التخيلية، اذ يشحن المجانين على ظهر هذه السفينة بعيدا عن المدن الكبرى. في عصر النهضة اعاد  الاعتبار الى الجنون في السرديات الادبية إذ ظهر شعراء مجانين، اما عصر التنوير فانه اقصى (اللاعقل) من حقل التفكير الاوروبي حتى ظهور مؤسسة (المستشفى، السجن) بوصفها مؤسسات وظيفتها تقوم على ابعاد المجانين عن الفضاء العام للخلاص عن الخطايا اما في القرن التاسع عشر من يظهر على مسرح التاريخ الفكري مصطلح (المرض العقلي) ويتفحص فوكو ظهور المعالجات العلمية والانسانية للمختلين عقليا.
 
الاركيولوجي في
 اللغة والخطاب
في كتاب (حفريات المعرفة) يحلل فوكو (نظام العبارة) إذ يعد (العبارة) شبكة من القواعد والنظم اللازمة لتحديد ما هو ذو معنى ويبين ان العبارة  تولد في فضاء سياسي واقتصادي واجتماعي وداخل نظام الخطاب الذي يعطيها المعنى والوجود الذاتي، ويعرض اسس انتاج المعنى في حقل الخطابات التاريخية والسياسية والفكرية ويتفحص ذلك في خطابات عصر النهضة وعصر التنوير الاوروبي حتى القرن العشرين لكي يصل الى نقط الاختلاف داخل طبيعة العبارات (المقولة) في هذه الانظمة المعرفية.
 
موت الانسان
العام 1966 يعلن فوكو في كتابه (الكلمات والاشياء) موت الانسان وهو يعني موت خطاب معين بشأن الانسان، يتجاوز مفهوم الثبات والمركزية التي اعتمدت حول هذا الكائن في الفكر الفلسفي الغربي، يرسم صوراً تاريخية مغايرة للانسان عبر الادوار التاريخية ويؤرخ الفكر الغربي الحديث، كاشفا عن ان كل مرحلة تاريخية تمتلك شروطا خاصة للحقيقة، وانظمة معرفية إذ يصنف الفكر الغربي الى ثلاث بنيات ( أبستميه  ) ،الاولى عصر النهضة والثانية العصر الكلاسيكي ،القرن الثامن عشر والتاسع عشر واللحظة الاخيرة القرون الحديثة. 
 
مجتمعات المراقبة
يقول فوكو: ان مجتمعاتنا المعاصرة ليست مجتمعات المشهد وانما  مجتمعات المراقبة، فنحن لسنا في قاعة المسرح ولا يمكن ان نكون على خشبته، وانما نحن موجودون داخل منظومة الرؤية الكلية الخاصة بالمراقبة حيث تحل السلطة / القوة في كل شيء ( المعرفة، الثقافة، الاقتصاد، الاجتماع البشري، العلاقات الجسدية ) يرى فوكو ان دراسة اي حقل سواء كان يتعلق بالعلاقات الجنسانية او الكيمياء او الرياضيات او البيولوجيا او المؤسسات الاقتصادية
 والاجتماعية والمؤسسات السياسية تغدو دراسة في (ستراتيجية السلطة) وتشعباتها
وهيمنتها.
 
نظام الخطاب
يحدد فوكو ان الخطاب يمثل شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة إذ يرى ان (الممارسات الخطابية ليست محض انماط من صنع الخطاب فقط، فهي تأخذ حيزا داخل المجموعات التقنية والمؤسسات وفي ترسيمة التصرفات والسلوكيات وفي اساليب النقل والتوزيع (اي توزيع المنتجات الفكرية والمادية بين افراد المجتمع فضلا عن الاشكال البيداغوجية).
 
اقتصاديات الجسد 
او الجنسانية
اما مشروع (تاريخ الجنسانية) فان فوكو يعيد التفكير بالعلاقة المعقدة بين الجنسي والخطاب في المجتمعات الغربية، فقد ابتكر مفهوم التشريح السياسي ومفهوم البيولوجي ـ السياسي بحسب شروحات دولوز، ووفق هذين المفهومين يرى ان الدولة الحديثة هي المتحكمة في تدبير القوى البيولوجية للكائنات كما يقول فوكو :(ان التشريح السياسي للجسد والبيولوجيا السياسية للسكان، يشكلان القطبين الاساسيين اللذين يدور حولهما تنظيم وممارسة القوة على الجسد) فمنذ كتابة (ولادة العيادة) كان فوكو مشغولاً بتحليل طبيعة القوة والممارسات التي تهيمن على الجسد البشري في المؤسسات الطبية ومؤسسات الذكورة والمؤسسات العقابية في السجن والمصحات العقلية من اجل تكييفه وضبط حركته، إذ ان الجسد الانساني كما يقول فوكو بلغة شاعرية هو السطح الذي ترتسم عليه الاحداث وهو مجال الانفصال.