المكان في شعر عمر السراي

الأربعاء 13 أيار 2020 118

المكان في شعر عمر السراي
كمال عبد الرحمن
 
بما ان الفضاء الشعري  يتشكل من جملة عناصر،لذلك يأتي التماسك البنيوي في النص من خلال هذه العلائق النصية  من(مكان) و(شخصية) و(زمن) و(حبكة)، وقد اصبح المكان(( مفتاحا من مفاتيح استراتيجية النص بغرض تفكيكه واستنطاقه، والقبض على جماليات النص المختلفة))،وقسم مول  ورمير المكان الى اربعة انواع حسب السلطة.
أ.عندي
ب. عند الاخرين
ت.أماكن عامة
ث. المكان المتناهي
. وقسم بروب المكان الى ثلاثة أنواع هي:
أ. المكان الاصل
ب. المكان الذي يحدث فيه الاختيار الترشيحي وهو مكان عرضي ووقتي
ت. المكان الذي يقع فيه الانجاز والاختيار الرئيس وقد سمّاه غريماس باللامكان
وتجاوزنا تقسيمات مكانية اخرى، يقول عمر:
((فقط .. اذكر..
بأن الليلة هي الأخيرة من شيء كان يدعى..سنة
وعليه .
تقرر أن تمطر غيمة حاك ثيابها التشرينان للكانونين
وأن تتدفأ الثياب بذقون الثلج..
لنصدق..أن(ماما نؤيل) تعد الشاي المفخر بالنعناع لـ (بابا نؤيل) الذي 
انهكته تقلبات
صحو الأطفال
وهو يختلس الدخول من شبابيكهم
وتقرر ان تنبت الشاشات مزلاجين في افلامها
وان يكون كناسو الشوارع في أحضان نبيذهم
مع جرعة من قبلات))
إن المكان في الأدب هوأحد الأركان الرئيسة التي تقوم عليها العملية الشعرية والسردية حدثا،وشخصية،وزمنا،فهو الشاشة المشهدية العاكسة والمجسدة لحركته وفاعليته، ولكن هذه المركزية التي يتمتع بها المكان لاتعني تفوقا أو رجحانا على بقية المكونات السردية الأخرى وانما هي ناجمة في الأساس عن الوظيفة التأطيرية والديكورية التي يؤديها المكان، وتميل قصائد السرّاي الى تمثيل حالات انسانية واخرى وجدانية خاصة،تستمد فضاءاتها من الواقع العراقي والعربي المعايش اخلاقيا وانسانيا ووجدانيا من الشاعر ، وتنمو فنيا باتجاه بنية الإطالة والإستطالة أحيانا رغم كثافة التركيز، وعلى الرغم من ثراء قاموسه اللغوي وخصبه وتنوعه الا انه يبدو دقيقا في انتقاء المفردات ودلالاتها السيميائية والإيحائية ،وحريصا على انتقاء كلماته وتركيزها وشحنها بالدلالات الكبيرة والاستعارات الجميلة:
((مدينتنا : التي تجبر الصبايا بالسكين على ان يخرجن 
محتشمات
 مدينتنا: التي يوزع فيها وكيل التموين كل شهر طمغة سوداء
على جباه رجالنا..
مدينتنا: التي تقطع الشارع كل وفاة أحدهم..وكل موكب.. أو حسب المزاج
مدينتنا: التي لاطائفية فيها..فهي تحترم العرف والمذاهب..!!!
مدينتنا: التي تنقسم على ذاتها بذاتها..
مدينتنا: المؤمنة جدا..!
تمتلئ أزبالها بقناني الخمر الفارغة)) 
ويبقى الشاعر  عمر السراي ملتصقا بحاسة المكان،سواء كان المكان(عندي) أو (المكان الأصل)،فمن  خلال عدد من الرحلات المكوكية بين الشاعر والعراق أو العراق (العراق الذي يعيش فينا كثيرا ونعيش فيه قليلا)فالأماكن التي لاعراق فيها قد نعيش فيها طويلا وتعيش فينا قليلا،تلك التي نمر بها ونعيش فيها قليلا أو كثيرا  ،وهي في الواقع  أماكن مؤقتة وليست أماكن(أصلية)،فهي فضاء عرضي لايلبي حاجاتنا الانسانية البريئة في الانتساب الى  الجذور الاولى والوطن الاول، والآخر هو الفضاء المكاني الحقيقي القادر على تشكيل ملامحنا الثقافية وأصالتنا التأريخية، ومع هذا فإن الشاعر عمر السراي  يغوص انسانيا في فضاءات الاماكن التي يمر بها سواء أكانت أصلية أم أماكن (الاخرين ) فنجده يتفاعل مع اماكن عديدة تتفاعل جيئة وذهابا في  المكان الأصل الذي تنوشه رياح الغربة: 
((تقطر حزنا..أنت تسيح..
وشوارع(بغداد) بصمت
مغمضة الأجفان تبيح
أسرارا تأبى..تتجلى
تمضي كالأوراق بريح..
تقطر حزنا.. أنت الصامت..
والصمت رفيق الغرباء..
والليل غريب.. كغريب
مجنون صمتك بالوحشة
منك تعكس الاف الأضواء نجوم))
ذاكرة المدن، المدن التي لم تعد لها نكهة بعد ان فقدت طعمها،يصرح ان آخر ملامح وجودنا هو خيط دقيق من خيوط النقاء وهو ما يربطنا بصفاء حكاية الـ (قوقتي..) لذلك يدعونا للحفاظ على آخر ما تبقى من شخصية هذا الطائر الذي سحرنا ببهائه وحكايته  ــ حكايتنا ــ الآسرة الموجعة المسردنة بالأمل أسير الأمنيات الشاحبة.. لم يبق لنا الا الصفاء.. فقل لي يا عُمر أين هذا الصفاء ؟
أما  كربلائياته الشعرية فمنها قصيدة(بنكهة الحسين ) وهي ثورة داخل ثورة الحسين الكبرى ، الرمز الكوني  الذي كان سببا في ان تشرق الشمس  من كل الجهات لتهدي التائه التعب في أنفسنا، هذا الرمز تكتنفه  مخالب الأدعياء من كل حدب وصوب، تدق حوله طبول التآمر مزملة بالرجز والرجس، كي لا نرى في الحسين حسيننا العقيدة والتأريخ والإنسانية ، يتكئون  على  اسمال ارواحهم ويتوكؤون  على مدامعنا التي لاتعرف الجفاف ، يصولون باسمه ، ويقولون على الله كذبا (نصوم بآسمه):
((لأن الذين يصومون باسمك صاروا يصولون باسمك..
لأن الذين استفاقوا بجرحك ناموا بجرح سواهم ولاذوا..
بشتمك))
ان ارتداد القيم ونكوص المكرمات هي محطات دائمة في شعر عمر السراي، فهو لايني يكشف الأوراق، وينقب في الغائص من الخطأ، يبحث عن جريمة لم تُرتكب بعد، لايكل ولايمل، وهو فارس القصيدة التي لاتنام على جروحها،وتتشكل لديه القصيدة بكثير من الاصرار،وكثير من الابداع،الاصرار على ازاحة اللون الاسود من الصورة،والابداع: قدرة القصيدة على ابتكارعالم مثالي  لمجتمع عربي بأشد الحاجة لهذا العالم.
وهنا ما يجدر قوله ان الشاعرعمر السراي مخلص للشعر فهو ابن القصيدة واخو القصيدة وأبوها بالوقت نفسه، وتعد قضية الاخلاص للشعر رأس القضايا التي تجعل من الشاعر شاعرا وما يكتبه شعرا حقيقيا،ويمكن وصف هذه القضية بأنها تجربة في الانتماء الى عالم الشعر وفضائه وكينونته وحساسيته،اذ لايمكن للشاعر ان يكون منعزلا عن انتمائه الكلي والحاسم الى فضاء التجربة الشعرية بمنطقها الزمكاني الحيوي،لأن صفته الشعرية يجب ان تتقدم على أية صفة أخرى،فضلا عن قيام الصفة الشعرية بتوجيه الصفات الاخرى وتكييفها وبلورتها على النحو الذي يستجيب للصفة الشعرية ويقرّ بنفوذها، وهذا شأن عمر السراي وتميزه ابداعيا.