{الموت الأسود} يقدم نظرة جديدة لكارثة الطاعون

السبت 16 أيار 2020 62

{الموت الأسود} يقدم نظرة جديدة لكارثة الطاعون
جينيفر بينكوسكي  ترجمة: شيماء ميران
 

قد يُظهر الموقع الاثري المُكتشف بشكل مفاجئ في دير قديم الكيفية التي تعامل بها سكان المناطق الريفية مع تفشي الوباء المميت. حيث كان الناس في لندن عام 1348 ينظرون الى اوروبا بفزع، بعد ان اجتاح الموت الاسود القارة تاركاً في اعقابه الرعب والموت . وبحسب احدى الروايات الايطالية : “فقد هربت الزوجة من كنف زوجها العزيز، والاب من ابنه، والاخ من اخيه، وغالباً حتى اولئك الذي دفنوا وحملوا والتقوا او لامسوا المصابين ماتوا بشكل مفاجئ”.
مثلما يتعامل مسؤولو الصحة اليوم تماماً مع انتشار فيروس كورونا الجديد، وقبل ما يزيد عن 600 عام استعدت لندن لعواقب مرض الطاعون. إذ تُظهر وثائق تاريخية ان المدينة استأجرت ارضاً لتستخدم كمدافن طارئة، كما قاموا مقدماً بحفر خنادق طويلة للدفن الجماعي قبل انتشار الاوبئة.
في هذه الاثناء، يبدو ان سكان المنطقة الريفية المعروفة اليوم باسم لينكولنشاير والواقعة على بعد 250كم تقريبا شمال لندن قد باغتهم تأثير مرض يرسينيا الطاعونية. وبدل ان يدفنوا امواتهم في المقبرة الابرشية وفق تقاليد مرحلة معينة في اواسط القرن الرابع عشر، قام المواطنون المحليون بدفن العشرات منهم دفعة واحدة وبسرعة في مقبرة جماعية على ارض دير ثورنتون الذي يبعد ميلا واحدا تقريبا عن فناء الكنيسة.
وبينما كان الطاعون يطيح بضحاياه في جميع انحاء المنطقة الريفية، كان المصابون به يتوافدون الى مستشفى دير ثورنتون، على امل ان يحظوا بـ(موت جيد) من حيث طقوس الوداع والدفن في ارض مخصصة للمسيحيين، لضمان مكانهم في حياة ما بعد الموت.
يقول عالم الآثار في جامعة شفيلد هيو ويلموت»من المرجح انهم قدموا للمستشفى ليموتوا، لانه كان يعني لهم الدفن اكثر من الشفاء». عثر ويلموت وزملاؤه على دليل نادر وغير متوقع في ارض دير سابق، يُبين تصرف المحليون حيال الطاعون، وهو مقبرة جماعية تضم رفات 48 شخصا، ويبدو انهم دفنوا جميعا بفارق ايام او اسابيع عن بعضهم البعض.
ومع نهاية العام 1349، وبالرغم من موت نصف سكان انكلترا ، فضلا عن 200 مليون اخرين عبر ارجاء أوراسيا، لكن المفاجئ وجود عدد قليل من المواقع الاثرية المقترنة بأحداث الطاعون في العصور الوسطى.
 
إحصائيات الخسائر البشريَّة
بحسب ويلموت فانه بالرغم من قلة عدد المقابر الجماعية المقترنة بالطاعون المكتشفة في انكلترا، يُعد اكتشاف دير ثورنتون مهم ايضا لكونه الوحيد المكتشف في الاطار الريفي حتى الآن، إذ من المفترض في مناطق ريفية قليلة السكان وبأراضٍ مفتوحة ان يدفن الناس امواتهم دفنا نظاميا في قبور منفردة بدلا من الدفن الجماعي، لكن دير ثورنتون يعطي مخرجات اخرى. يقول ويلموت»من الواضح، انهيار النظام المُتبع في التعامل مع الموتى». لقد وثق الباحثون اكتشافاتهم في دراسة نُشرت حديثا في مجلة انتكويتي (Antiquity).
قام باحثون آثاريون نظاميون عام 2013 بالتنقيب في تل من الحصى والجليد في موقع سابق لدير ثري والذي اغلق في النهاية من قبل الملك هنري الثامن عام 1539واشار مسح جيوفيزيائي الى انهم ربما يعثروا على بقايا المبنى لكنهم عثروا على جثث، اربعون منها اكمام اكفانها ملفوفة على وسطها. ومع انه لا توجد مقتنيات مع الرفات في القبر، لكن علماء الاثار تمكنوا من تحديد تاريخ الدفن الجماعي بدقة والقريب من وقت الطاعون، مستندين بذلك على عُملتين نقديتين وهيكلين عظميين مؤرخين باستخدام الكاربون 
المشع.
يوضح ويلموت ان اجتياح الطاعون قد انعكس في التركيبة السكانية لضحاياه، إذ كان اكثر من نصف المدفونين هم من الاطفال تحت سن الـ17 عاماً وهو عدد هائل لتلك المرحلة الزمنية، إضافة الى ارتفاع معدل وفيات الاطفال الرّضع، في حين يميل الاطفال الاكبر عمرا حتى سن البلوغ الى النجاة من المرض. 
دير ثورنتون
يقول ويلموت» ما نملكه هو ملف وفيات كارثي، وفيه تفاصيل كل شخص مات بالتساوي، لدينا نوع من الموت اخترق
 المجتمع».
كانت منطقة مقبرة الابرشية المحلية التي لا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا، والتي تبعد اكثر من كيلومتر ونصف تقريبا عن الدير، تغص بأعداد الضحايا المحليين وقت تفشي الوباء اواسط القرن الرابع عشر. يقول المؤرخ في جامعة كامبريدج جون هاتشر الذي ألفَّ ثلاثة كتب عن الطاعون»اظن ان تلك الجثث دُفنت في محيط الدير بعد امتلاء فناء الكنيسة، وبدلا من الاستغناء عن شروط الدفن الاعتيادي وتكديس الجثث في حفر جماعية، استخدموا الارض ضمن حدود 
الدير».
لقد اثبتت نتيجة فحص اسنان اثنين من الاطفال المدفونين اصابتهم بفيروس يرسينيا الطاعونية، إضافة الى استخراج الحمض النووي للميكروب من احدهما.
وفي العام 2013، اكتشف كبير مختصي العظام في متحف لندن للآثار دون ولكر مقبرة الطاعون الجماعية (1349–1348 ) في ساحة تشارتر هاوس في لندن اثناء العمل بمشروع كروس ريل للمواصلات، ويقول ولكر «يُعد اكتشاف الحمض النووي للطاعون من قبر في دير ثورنتون اكتشافا مهما، خصوصا لانه الاول من شمال انكلترا. كما إن اجراء المزيد من تحليل الحمض النووي البكتيري يُبشر بمساهمة مهمة في الدراسة الحديثة حول تطور وتفشي الطاعون في اوروبا خلال وبعد الموت الاسود».
 
* ناشونال جيوغرافي