خنافس وخفافيش

الأحد 17 أيار 2020 123

خنافس وخفافيش
أسعد الجبوري
 
 دونكيشوت: أتعرف يا سانشو، لي رغبةٌ بشراء بيانو والعزف عليه بين هذي الطواحين.
سانشو: إنّها فكرةٌ صائبةٌ. تليقُ بزعيم أسطوري من طرازك سيدي الدون. أجل. سيكون مقامكَ لائقاً بالجلوس وسط التلال، تعزف، فتتغذى الرمال وما بجوفها بالرحيق الموسيقي. دونكيشوت: وهل تراني مختصاً بموسيقى الثعابين والعقارب والجرذان والسحالى والجرابيع أيّها الأحمق ؟
سانشو: ولم لا. فقد يتم تحويل كل هذه الزواحف ونظائرها من الذئاب والضباع إلى مخلوقات غير سامّة ومتوحشة، وبذلك تكسب سبق صناعة عالم إضافي للموسيقى.  
 دونكيشوت: لكن آلات الموسيقى، لا تستجيب إلا للأصابع المملوكة للشغف يا سانشو ! 
سانشو: ليس أسهل من الحصول على ذلك يا سيدي الدون. 
دونكيشوت: كيف. هل تريد أن نذهب للسوق، فنتبضع سطلاً من الشغف، أغمسُ أصابعي به، ويتم استخراج الألحان هادرة مثل شلالات نياغرا؟ 
سانشو: ليس بتلك الطريقة، إنما ببري الأصابع وجعها شبيهةً بأقلام الرصاص. ذلك يمنحها الرقة والشفافة .
 دونكيشوت: وأن أعزف السمفونيات للقمر بمصاحبة كورال من عواء الذئاب. أليس هذا ما برأسك ؟!
سانشو: أجل يا سيدي الدون، عليك أن تحمل مبراةً، تنظف بها نفسكَ من صدأ الحروب وأصدائها كي تصبح موسيقياً. 
 دونكيشوت: إنّها لفكرة. أن أكون رائياً في الموسيقى وفي الأرواح.
سانشو: واعلمْ أن العاشق المشغوف، لا يخطئ بالأملاء الموسيقي إلا نادراً .
 دونكيشوت: ماذا وراء جملتك الملغومة أيّها اللعين؟
سانشو: أقصد متى ما تحبُ، ستغادرُ الرمحَ يدُكَ، ويرتفعُ منها الدبيبُ الملتهبُ بالألحان متسرباً إلى خريطة الجسم وحتى حدوث الطوفان!
دونكيشوت: عن أي طوفانٍ تتحدثُ أيّها المخبول؟
سانشو: أتحدث عن طوفان الدرجة الأولى . أحقاً لا تعرف ما الذي تفعله النسوانُ بالأوتار يا سيدي الدون؟ دونكيشوت: اللعنة عليك يا سانشو .أنا  أفكر  بتدوين النواح العراقي نوتات للسلّم الموسيقى، كي يكون شاهداً على إرث تاريخي، وأنت تحاول جرّ قلبي إلى عوالمَ الحريم!! 
سانشو: ولكن ما فائدة ذلك، وليس من سامع لأوبرا العويل العراقي غير قبائل الطواحين. لقد تضخمَ أرشيفُ الجراح والآلام وهدير أنين أمهاتنا دون توقف؟! 
دونكيشوت: كأنّك اصبحت عراقياً يا سانشو، وتحاولُ أن تستخرجَ  من  دماء  التاريخ أنغاماً على درجات ريختر، لتطيل مآسي الناس؟
سانشو: لا أبداً. ولكن قل لي: هل تحبُ الجاز يا سيدي الدون؟
دونكيشوت: وأحب المجاز، لأن به قيلولة التعبير اللغوي. وأنغمسُ بالمزاج، كونه يعكس ما في مرآة النفس. وأستعمل الزجاج لشفافيته .
سانشو: كنت أعتقدُ بأنني ذلك الديك الذي يشطب بصياحهِ آخرَ سطرٍ من الظلام، ظناً منهُ بأنّ الله قد نصَبّهُ ساعةً للزمان.
دونكيشوت: لا تأخذكَ الأحلامُ بعيداً يا سانشو، فقد ذهبتْ الأيامُ  بصوتك الرومانسي، لتصبح ساعة (بيغ بن) تحت كل وسادة ترنّ .
 سانشو: لم يُبقِ لنا الإنكليزُ شيئاً إلّا وهيمنوا عليه أو شقوه إلى نصفين كالعادة. 
 دونكيشوت: تماماً. لذلك يجلسون في الشق الفاصل ما بين كل نصفين وكأنّهم مؤبدون للتشقق والانشقاق !! 
سانشو: أنت صائب. فأصابع الملكة في الطين تنبتُ .
 دونكيشوت: وما معنى هذا الذي تقوله عن صاحبة التاج يا سانشو ؟
سانشو: ليس شيئاً مهماً. 
فأصابع ست الدنيا التي لا تغيب عنها الشمس، لم تترك مهنة القصقصة هنا وهناك.
 دونكيشوت: هل تحبُ خنافس الإنكليز يا سانشو؟
سانشو: ولا خفافيش ووهان عاصمة مقاطعة هو
 الصينية .
 دونكيشوت: اللعنةُ عليكَ يا سانشو. أنا أحكي عن فرقة البيتلز الموسيقية، وأنت تفتحُ بئرَ شهيتك وتمضي كالسهم في قائمة الطعام، أملاً بوجبة ساخنة من الخفافيش والخنافس !!