التفسير الموضوعي

الاثنين 18 أيار 2020 235

التفسير الموضوعي
 جواد علي كسّار
 
التفسير الموضوعي منهج في تفسير القرآن الكريم شاع قبل عقود، ارتبطت ممارسته والدعوة إليه في المدرسة النجفية مع السيد محمد باقر الصدر. وصلتني أربعة أسئلة من أحد السادة الكرام، طلب مني الإجابة عنها من خلال وسائل الإعلام. يرتبط السؤال الأول بالتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، إذ أبدى السائل خشيته من أن يفضي تفاعل التفسير الموضوعي مع الواقع الخارجي المعيش، بما يحفل به من أفكار ونظريات، ومناهج واتجاهات؛ إلى وضع القرآن الكريم في موقف دفاعي، وأن يكون القرآن ظلاً للنظريات البشرية وصدىً للاتجاهات والمنهجيات الإنسانية، وذلك ارتكازاً إلى ما يعنيه التفسير الموضوعي، من حركة المفسّر من خلال الواقع الخارجي، وتفاعل النصّ القرآني مع واقع التجربة الإنسانية بما تزخر به من أفكار ونظريات وتجارب.أسجّل في البدء أن هذه الخشية مشروعة، بيدَ أنها مدفوعة بعدد من الضمانات التي من المفروض أن ينطوي عليها التفسير الموضوعي للقرآن، ويتّصف بها المفسّر القرآني.
ستكون الخشية في مكانها لو افترضنا أن النصّ، هو مجرد وعاء فارغ يمتلئ بمعناه من خلال الواقع. فلو تعامل المفسّر مع النصّ القرآني بوصفه صورة فارغة تأخذ مادّتها من الواقع، أو مجرّد وعاء خال يمتلئ بالأفكار والنظريات الموجودة، فعندئذ سيبتلع هذا الواقع النصّ القرآني، وسيتحوّل القرآن إلى هامش، وتكون الغلبة والقيمومة للنظريات الإنسانية والتجارب البشرية.وهذه ممارسة مرفوضة من قبل المفسّر الموضوعي، فهذا المفسّر يتعامل مع النصّ القرآني، كنصّ ممتلئ بالمعاني والدلالات، غاية ما في الأمر أن بعض الدلالات والمعاني لا تنفتح إلا من خلال التعامل مع الواقع، ولا تُسفر عن معانيها بشكل جليّ إلا عبر التفاعل معه.ثمّ المفروض أن ينطلق المفسّر في التفسير الموضوعي في أداء مهمّته، وهو ممتلئ بالمؤهّلات على مستوى المعرفة التفسيرية وكلّ ما له صلة بها، وعندئذ فهو لا يمارس قراءة الواقع وهو فارغ، ولا يخوض التجربة الإنسانية وهو في موقف محايد. أبداً، إنما هو منحاز سلفاً إلى قيمومة القرآن ومرجعيته، بحيث تكون الكلمة الأخيرة والموقف الفصل للقرآن لا للفكر الإنساني.لذلك لا ينهض بمهمّة التفسير الموضوعي إلا كبار كالسيد محمد باقر الصدر، الذي مكّنته مؤهّلاته العلمية على المستويين الكلامي والفقهي، من أن يخوض عباب التجربة الإنسانية في مضمار مكوّنات المجتمع وسنن التاريخ، لينتهي إلى عرض محصلة هذه التجربة على القرآن، واستنطاق القرآن لمعرفة كلمته الفصل في هذا المجال.فإذن، يمكن أن تكون الخشية الواردة بالسؤال في محلّها، ويمكن أن يبتلع الواقع النصّ القرآني، إذا كان المفسّر خالياً من التأهيل العلمي على مستوى المعرفة القرآنية خاصة والمعرفة الإسلامية عامة، أما مع توفّره على الأصالة فإنه يفرض حالة التوازن من خلال عملية التفاعل التي ينشدها التفسير الموضوعي بين النصّ والواقع، بالطريقة التي تبقي للنصّ القرآني الكلمة الفصل، وتبقى القيمومة ثابتة لكلام الله جلّ جلاله.أخيراً ينبغي أن ننتبه جيداً إلى أنّ التفسير القرآني هو مجرّد شكل من أشكال التفسير، وتعبير عن لون واحد على صعيد الحركة التفسيرية، وليس هو الصيغة الوحيدة في التعاطي مع كتاب الله، حتى إذا ما وقع في خطأ تسقط معه العملية التفسيرية بأكملها. ما نريد التركيز عليه أن التفسير الموضوعي يعكس بعض الأبعاد، ويؤدّي وظيفته في مضمار إشباع الحاجات الاجتماعية وما يماثلها، ومن ثمّ فهو يتكامل مع الصيغ والمناهج والاتجاهات التفسيرية
 الأخرى.