الموقف القانوني من الجرائم المضرة بالصحة العامة في القانون العراقي

الاثنين 18 أيار 2020 139

الموقف القانوني من الجرائم المضرة بالصحة العامة في القانون العراقي
القاضي ناصر عمران الموسوي
 
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وهو لبنة البناء المجتمعي الذي يتكوّن من مجموعة من النّظم والقوانين التي تُحدّد المعايير السلوكية للفرد داخل المجتمع، ومنذ القدم وعندما ارتبط الانسان بالآخر برابطة العقد الاجتماعي وفقد جزءاً من حريته بمقابل التمتع بالكثير من الحقوق  التي وبضمنها واهمها الحق بالحياة، وهو حق يستدعي تحقيق المتطلبات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية له،.
ومن ضمن التحديات التي يواجهها الانسان بيئياً هي الاوبئة والامراض باعتباره منظومة طبيعية تتفاعل مع المناخ والبيئة المحيطة وتتأثر بها والحق بالحياة يتضمن المحافظة على الصحة العامة وهو التزام قانوني منبثق من الارتباط العقدي بين الفرد والسلطة والذي خضع على اساسه لنظامها وقوانينها بمقابل التمتع بتلك الحقوق والامتيازات، وتعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة العامة (Public Health) : على أنها علم وفن الوقاية من الأمراض، وإطالة العمر، وتعزيز الصحة من خلال الجهود المجتمعية، وتهدف الأنشطة التي تسعى لتعزيز قدرات وخدمات الصحة العامة إلى توفير الظروف التي تمكّن الأشخاص من الحفاظ على صحتهم، أو منع تدهورها، وترتكز الصحة العامة على طريقة التخلص من أمراض معينة، إلى جانب الاهتمام بجميع جوانب الصحة والرفاهية، كما وتشمل خدمات الصحة العامة توفير الخدمات الشخصية للأفراد، مثل اللقاحات، أو المشورة السلوكية، أو المشورة الصحية.
 وقد عرّف القانون العراقي الصحة في باب الاهداف العامة في الفصل الاول من قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 المعدل وفي  المادة (1) منه والتي تنص (اللياقة الصحية الكاملة، بدنياً، وعقلياً، واجتماعياً، حق يكفله المجتمع لكل مواطن وعلى الدولة أن توفر مستلزمات التمتع به لتمكنه من المشاركة في بناء المجتمع وتطويره)، كما ان الدستور العراقي ضمن ذلك واعتبر الدولة مسؤولة عن الحفاظ على الصحة العامة للمواطن فنص في المواد (30 ، 31) منه على ذلك  فالمادة (30) نصت على : أولاً :- تكفل الدولة للفرد وللأسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرةٍ كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم. ثانياً:- تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرّد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك
 بقانون. 
اما المادة (31) فنصت على: أولاً:- لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية.
 ثانياً:- للأفراد والهيئات إنشاء مستشفياتٍ أو مستوصفاتٍ أو دور علاجٍ خاصة، وبإشرافٍ من الدولة، وينظم ذلك بقانون.)
 اما المشرع الجنائي فقد تضمن فصلاً في الباب السابع من القانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل وتحت عنوان (الجرائم المضرة بالصحة العامة) والذي تضمن الحماية الجنائية للصحة العامة، إذ نص في المادة( 368) على ما يلي: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل من ارتكب عمدا فعلا من شأنه نشر مرض خطير مضر بحياة الأفراد. فاذا نشأ عن الفعل موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة عوقب الفاعل بالعقوبة المقررة لجريمة الضرب المفضي الى الموت او جريمة العاهة المستديمة حسب الأحوال. وفي المادة ( 369) نص على ما يلي: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بغرامة لا تزيد على مئة دينار كل من تسبب بخطئه في انتشار مرض خطير مضر بحياة الأفراد. فاذا نشأ عن الفعل موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة عوقب الفاعل بالعقوبة المقررة لجريمة القتل خطأ او جريمة الإيذاء خطأ حسب الأحوال).
 وبقراءة للمواد القانونية نرى بأنّ المادة 368 اشارت الى فرض العقوبة المقررة والمحددة بحد اعلى وهو ثلاث سنوات على كل من ارتكب عمداً فعلاً من شأنه نشر مرض خطير مضر بحياة الافراد، والفعل: هو كل تصرف جرّمه القانون سواء كان ايجابيا او سلبيا كالترك او الامتناع مالم يرد نص على خلاف ذلك وحسب نص المادة (19 / 4) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل،  وان يكون هذا الفعل قد تم عمدا وهو توجيه الفاعل ارادته الى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً الى نتيجة الجريمة التي وقعت او اي نتيجة جرمية اخرى وحسب المادة (33) من القانون المذكور، وان الفعل العمدي أدى الى نشر مرض خطير مضر بحياة الافراد  والمرض أو الداء أو العلة بشكل عام هو حالة غير طبيعية تصيب الجسد البشري وتؤدي الى ضعف في الوظائف الجسدية. ويستخدم هذا المصطلح أحيانا للدلالة على أي أذى جسدي وقد يشار الى المرض بـ (اعتلال الصحة أو السقم) وقد ورد في قانون الصحة العامة تعريفا للمرض الانتقالي في المادة (44) من قانون الصحة العامة وهو (المرض الناجم عن الاصابة بعامل معد او السموم المولدة عنه والذي ينتج عن انتقال ذلك العامل من المصدر الى المضيف بطريقة مباشرة او غير مباشرة)، فاذا نشأ عن هذا الفعل موت انسان فإنّ الفاعل يعاقب بالعقوبة المقررة لعقوبة الضرب المفضي الى موت وفق المادة ( 410) من قانون العقوبات والتي تصل العقوبة فيها الى السجن مدة لا تزيد على خمسة عشرة سنة وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشرين سنة اذا ارتكبت الجريمة مع سبق الاصرار او كان المجنى عليه من اصول الجاني او كان موظفا او مكلفا بخدمة عامة ووقع الاعتداء عليه اثناء تأدية وظيفته او خدمته او بسبب ذلك، اما اذا تم اصابته بعاهة فان العقوبة المقررة ستكون العقوبة المقررة لجريمة العاهة المستديمة والتي تصل العقوبة فيها الى السجن مدة لا تزيد على  خمس عشرة سنة  وفق المادة( 412 / 1)  من قانون العقوبات اما المادة (369) فإنها نصت على العقوبة المقررة للفعل الخطأ في انتشار المرض دون ان يكون هناك قصد عمدي والجريمة غير العمدية: هي التي تقع نتيجتها الجرمية بسبب خطأ الفاعل سواء كان هذا الخطأ اهمالاً او رعونة او عدم انتباه او عدم احتياط او عدم مراعاة القوانين والانظمة والاوامر وحسب المادة (35) من قانون العقوبات وان الحد الأعلى للعقوبة الحبس مدة لا تزيد عن السنة او الغرامة، اما اذا نشأ عن الخطأ موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة فإن العقوبة المقررة ستكون عقوبة جريمة القتل الخطأ او جريمة الايذاء الخطأ وحسب الاحوال لكل جريمة. وفي الظروف الحالية التي يواجه العالم فيها تحديا وبائيا خطيرا هو فيروس كورونا والذي تم تصنيفه من قبل منظمة الصحة العالمية
 (جائحة). 
وقد اتخذت اجراءات متعددة للوقاية والحد من انتشاره واهمها تفعيل قوانين اعتقدنا موتها فضلا عن اهمالها واهمها قانون (نظام اجراءات الحجر الصحي رقم 12 لسنة 1978 والتي تضمنت مصطلحات قانونية اهمها الامراض الوبائية في المادة 1/5 منه ومفردات (المصاب والمشتبه به والعزل والاصابة الاولى والكشف الطبي وغيرها من المصطلحات المستخدمة في القانون المذكور) وفي الوقت الذي تتخذ اجراءات وقائية وصحية فإنّ النصوص العقابية الواردة في قانون العقوبات او قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 المعدل بحاجة الى معالجة تشريعية عاجلة لمواجهة الحالة الوبائية التي قد تؤدي الى انتشار الوباء و اصابة وموت الكثير من الافراد وهو الزام دستوري وقانوني فضلاً عن انه امر واقع بحاجة الى معالجة تحقق الردع العام وبخاصة بالنسبة للأشخاص المخالفين لنظام الحجر الصحي ومقررات لجنة الصحة والسلامة الوطنية، فضلا عن تشريع او تعديل قانون خاص بنظام الحجر الصحي وقانون الصحة والسلامة الوطنية مع اتخاذ الاجراءات التي تسهم وتساعد في الالتزام بالنظام والخضوع الى القانون تحقيقاً لمصلحة الفرد والمجتمع.