اثر الرابطة الأسريَّة في تحريك الشكوى الجزائيَّة

الاثنين 18 أيار 2020 533

اثر الرابطة الأسريَّة في تحريك الشكوى الجزائيَّة
القاضي   كاظم عبد جاسم الزيدي 
 
  العلاقة الأسرية رابطة اجتماعية لأن نظام الاسرة نظام اجتماعي، اذ لايمكن ان نتصور ان يعيش الانسان بمفرده منعزلا عن اقرانه من الافراد، فالفرد المنعزل فكره مجردة في نظر علماء الاجتماع وليس لها وجود، فاذا كانت الخلية هي الوحدة الاولى في علم الحياة فالاسرة هي الوحدة الاولى في النظام الاجتماعي وبدونها لايوجد مجتمع، فالخيوط الاولى للمجتمع الكبير تنبع في داخل الاسرة فهي تؤثر به ويؤثر فيها.
 فحينما تتماسك الاسرة بافرادها يتحقق تماسك المجتمع بافراده وبالعكس بقدر تفكك الاسرة يكون تفكك المجتمع، فالاسرة عبارة عن رابطة اجتماعية تتكون من الاب والام والاولاد وان نزلوا وتعد اصغر نواة في المجتمع وهي عبارة عن مجتمع صغير عليه يتوقف نجاح المجتمع الكبير؛ لذلك فان الاخير يعمل على تنظيمها ليضمن وجوده وانتظامه، وللرابطة الأسرية اثر مهم في تحريك بعض الدعاوى الجزائية اذ اشترط القانون وجوب تحريكها من قبل اشخاص معينين تربطهم روابط أسرية، وان المشرع العراقي قد راعى قدسية الروابط الاسرية والحفاظ عليها من التفكك والزوال وغلق كل مايؤدي الى خلق الجو المشحون والبلبلة والريبة في كيان الاسرة، وقد اعتنى قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل بالاسرة العراقية عناية فائقة لادراك المشرّع الدور الذي تلعبه هذه الخلية البناءة في تنشئة الفرد حتى يصبح عضوا صالحا في المجتمع والاصل ان الوالدين يسعيان غالبا الى تريبة اطفالهما تربية سليمة وذلك بتكوين أرضية صالحة عن طريق المبادئ والقيم التي يغرسونها في نفسية الطفل ولكن ليس كل الاباء بهذه الصفات والاخلاق الحميدة، فمن الاباء من يسهم بدرجة عالية من انحطاط اخلاق اولادهم اما عن طريق تشجيعهم على الانحراف  او تسامحهم في التصرفات الخاطئة الصادرة من اطفالهم، ومن هنا عمل المشرع العراقي على حماية الاسرة من كل ما قد يسيء اليها والى قدسيتها، وذلك بوضع نصوص تحافظ على الاسرة وكيانها وتتصدى لكل من يحاول تفكيك الاسرة او التقليل من قيمتها، وقد قيد المشرع العراقي في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23  لسنة 1971 المعدل تحريك الشكوى في المادة (3) بالنص بانه لا يجوز تحريك الشكوى الجزائية الا بناءً على شكوى من المجنى عليه او من يقوم مقامه قانونا في الجرائم التالية 1. زنا الزوجية او تعدد الزوجات خلافا لاحكام قانون الاحوال الشخصية  2. القذف او السب او افشاء الاسرار او التهديد او الايذاء اذا لم تكن الجريمة قد وقعت على مكلف بخدمة عامة اثناء قيامه بواجباته الرسمية او بسببه.  3. السرقة او الاغتصاب او خيانة الامانة او الاحتيال او حيازة الاشياء المتحصلة منها  اذا كان المجنى زوجا للجاني او احد اصوله او فروعه و لم تكن هذه الاشياء محجوزا عليها قضائيا او اداريا او مثقله بحق لشخص آخر، ومن الجرائم التي نص المشرع العراقي على ان تحرك بناءً على شكوى جرائم الأموال بين الاصول والفروع والازواج إذ أن السرقة كما نصت عليها المادة (439) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل هي (اختلاس مال منقول مملوك لغير الجاني عمدا). 
وقد جاء في المادة (463) من قانون العقوبات العراقي على انه (لا يجوز تحريك الدعوى او اي اجراء ضد مرتكب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفصول السابقة من هذا الباب اضرارا بالزوج او احد الاصول او الفروع الا بناءً على شكوى المجنى عليه وتنقضي الدعوى الجزائية بتنازل المجنى عليه عن شكواه قبل صدور حكم نهائي في الدعوى ويوقف تنفيذ الحكم اذا حصل بعد صدور الحكم، وحكم المادة المذكورة ورد على سبيل الاستثناء من القواعد العامة فلا يجوز التوسع في تطبيقها وتفسيرها فلايدخل في حكم هذه المادة السرقة التي تقع بين الاخوة او بين العم و ابن اخيه او الخال و ابن اخته، اذ ان القيد المذكور في هذه المادة خاص لا يسري الا على من توافرت فيه شروط هذه المادة،  هذا يعني ان الشريك مع من تنطبق عليه هذه المادة لا يستفيد من هذا الحكم، وكذلك الفاعل الاصلي الذي من ينطبق عليه النص شريك له لا يستفيد من حكم هذه المادة، ويلاحظ بهذا الصدد ان هناك من التشريعات من حذا حذو المشرع العراقي كالمشرع المصري حيث قضى بانه لايجوز محاكمة من يرتكب سرقة اضرارا بزوجه او زوجته او اصوله او فروعه الا بناءً على طلب المجنى عليه وللمجنى عليه ان يتنازل عن دعواه متى شاء، بينما نص قانون العقوبات الفرنسي على عدم العقاب في حالة السرقة المرتكبة من قريب على قريبه في المادة 380 من قانون العقوبات الفرنسي اي عكس قانون العقوبات العراقي؛ لان هذا الاخير يقتضي شكوى الوالدين او الاقارب المتضررين من جريمة السرقة المرتكبة من قبل هؤلاء، ومن الجرائم التي تطلب فيها شكوى من المجنى عليه جريمة الزنا التي نصت عليها احكام المواد (377_378_379_380) من قانون العقوبات العراقي إذ لايجوز تحريك دعوى الزنا ضد اي من الزوجين او اتخاذ اي اجراء فيها الا بناءً على شكوى الزوج الاخر ولاتقبل الشكوى في الاحوال التالية أ. اذا قدمت الشكوى بعد انقضاء ثلاثة اشهر على اليوم الذي اتصل فيه علم الشاكي بالجريمة, ب. اذا رضا الشاكي باستئناف الحياة الزوجية بالرغم من اتصال علمه بالجريمة, ج. اذا ثبت ان الزنا تم برضا الشاكي؛ اما الفقرة الثانية من المادة نفسها فقد نصت على انه ( يقصد بالزوج في حكم هذه المادة من تتوافر فيه هذه الصفة وقت وقوع الجريمة ولو زالت عنه بعد ذلك ويبقى حق الزوج في تحريك دعوى الزنا الذي ترتكبه زوجته الى انتهاء اربعة اشهر من طلاقها )  وتنقضي دعوى الزنا ويسقط الحق المدني بوفاة الزوج الشاكي او تنازله عن محاكمة الزوج الزاني او برضا الشاكي بالعودة الى معاشرة الزوج الزاني قبل صدور حكم نهائي بالدعوى، ويعتبر تنازل الزوج عن محاكمة زوجته الزانية تنازلا منه عن محاكمة من زنا بها وللزوج كذلك ان يمنع السير في تنفيذ الحكم الصادر على زوجه ومن الشكاوى التي تحرك بناءً على شكوى ما نصت عليه المادة 384 من قانون العقوبات العراقي وهي جريمة الامتناع عن تادية النفقة من صدر عليه حكم قضائي واجب النفاذ باداء نفقه لزوجته او احد اصوله او فروعه او لاي شخص اخر وبادائه أجرة حضانة او رضاع او سكن وامتنع مع قدرته على ذلك خلال الشهر التالي لاخباره بالتنفيذ فهذه الشكوى لاتحرك الا بناءً على شكوى من صاحب الشأن وتنقضي بتنازله عن شكواه او باداء المشكو منه ما ترتب بذمته من نفقة، فاذا كان التنازل قد حصل بعد صدور الحكم في الدعوى اوقف  تنفيذ العقوبة، ونرى ان يصار الى تشريع قانون الحماية من العنف الاسري لكي يتضمن الحماية القانونية للاسرة العراقية.