حَرَجُ العلم وهزيمةُ القوّة

الاثنين 18 أيار 2020 144

حَرَجُ العلم وهزيمةُ القوّة

محمد صابر عبيد
 
تكون مفهومُ القوة في هذا الكون لأجل أن يكون الجبهة المفاهيميّةَ الأعلى والأعنف والأكثر هيمنة وحضوراً وتأثيراً في الحياة، وتحويل هذا المفهوم إلى سلطة كان ومازال هو الغاية القصوى التي يبلغها قادة القوة ورجالها وعرّابوها وسدنتها للسيطرة على مقدرات العالم بموارده البشرية والطبيعيّة الهائلة، وتوجيهه بحسب النظريات والمناهج والمذاهب والتيارات والمصطلحات التي يعتقدون بصوابها وبإمكاناتها غير المحدودة لتنفيذ المقاصد والأهداف الكبرى.

وبرزت على هذا الأساس فكرة الاستعمار وما أعقبها من أفكار انتظمت في هذا السياق في ما يطلق عليه منهجياً "النيو" أو
"المابعد".
يتلازم مفهوم القوّة مع مفاهيم أخرى محايثة على أكثر من مستوى وأكثر من صعيد، فثّمة مستوى يقرن القوّة بالعلم والمعرفة، ومستوى يقرن القوّة بالمال والسلطة والجاه والأسلحة الفتاكة التي توصف بأسلحة الدمار الشامل، ومستوى آخر يقرن القوّة بالنظريّة والمنهج والمصطلح والبرهان، وثمّة مستوى يتجاوز هذه المحطّات كلّها ويزيحها عن درب مفهوم آخر يتحرّك على صعيدٍ مختلفٍ تماماً يتعلّق بالغيبيّات، ويرى أنّ لا قوّة تسمو على قوّة العرفان حين تتوقف سكّة البرهان، فحين تخفق الحلول التابعة للعقل البشريّ أيّاً كان مصدرها وأيّاً كانت طبيعتها وتفاصيلها الأرضيّة فلا مناص من اللجوء إلى الحلّ العرفانيّ الحاسم، وهو يتعلّق بالإيمان القائم على أنّ كلّ ما يحصل للبشر والبشريّة هو نعمةٌ مَنَعَتْ ما هو أبشع منها ضرراً في مقولة شهيرة ومعروفة هي "دفعَ اللهُ ما كانَ أعظم"، على نحو يجلب الطمأنينة والقناعة "التي هي كنزٌ لا يفنى" فيتعايش الإنسان مع ما يصيبه ويحمد الله على كلّ شيء أولاً وآخر.
تشترك الأساطير القديمة والملاحم الكبرى والأديان بمختلف أشكالها ومصادر انبعاثها في تقديس العرفان والبرهان معاً لكنّها تعطي العرفان قيمة أعلى، القوّة الأرضيّة الملموسة المرئيّة في البرهان لكنّ القوة الخفيّة الغامضة السحريّة الأعلى في العرفان، لأنّ البرهان مهما بلغ من قوّة العلم والمعرفة والنفوذ المادّي والبشريّ والفتوحات والكشوفات العقليّة النظريّة والإجرائيّة لا بدّ وأن يقف عند حدّ معيّن، لا يمكن أن يتخطّى فيه طاقته البشريّة المُقدَّرة له مهما كانت كبيرة وجبّارة وهائلة وثريّة، وحين يُمتحَنُ العقل البشريّ في ظرف خاصّ امتحاناً قاسياً يفوق قدراته فيستنفرُ ما لديه من طاقات حتّى آخرها ويعصرها عصراً فلا يجد حلاً، فإنّه يلجأ حُكماً للغيب كي يعثر على حلّ مجهول لا يعرف له سبيلاً سوى الانغمار الاستعطافيّ التوسليّ في فضاء العرفان.
بما أنّ القوّة هي واقع ملموس مرئيّ فإنّه رديف البرهان العقليّ القائم على خطوات منطقيّة عالية الحجاج والإقناع باستخدام أدوات رياضيّة لا سبيل إلى دحضها، و العرفان هو عمل يتحوّل من مجال العقل إلى فضاء الروح ويحتاج إلى تدخّل المتخيّل في حساسيّته الصوفيّة.
وقد حفّزت الأديان بمختلف أنواعها وأشكالها ومصادرها على تفاعل هذه الثنائيّة لبلوغ مرحلة تتمكّن البشريّة فيها من إيجاد الحلول لمشكلاتها المستعصية، إذ حين يتوقّف العلم عند حدود معيّنة في ظرف معيّن لا يمكنه تجاوزها لا بدّ من الاستعانة بالخيال في السبيل نحو استحضار آليّات العرفان، وبما انّ فضاء العلم يستبعد الخيال في مساحات كثيرة من فعالياته فإنّه لن يتمكّن من تجاوز الحدود المنطقيّة الإجرائيّة للمنجز العلميّ، وهو عادةً ما يتوقّف عند نقطة مُعيّنة تفرغ فيها النظريات من ذخيرتها العلميّة الفاعلة في الميدان حتّى وإن لم تنجح في حلّ كلّ المشكلات التي تحتاج إلى حلّ، وهنا لا بدّ من تفعيل عنصر الخيال "العرفانيّ" لاقتحام ما لم تجرؤ النظريات على اقتحامه بسب توقّف وسائلها الإجرائيّة التقليديّة عن البحث، والتوغّل في مجاهيل لا يمكن فتحها إلا بالحدس واستخدام طاقات غير طبيعيّة لإنجاز كشوفات باهرة تجد الحلول الناجعة لما كان عصياً على الحلّ قبل حين.
لا شكّ في أنّ العلم يبتكر ويخترع  ويكتشف ما تحتاجه الحياة في ظلّ ظروف مناسبة ومواتية وصالحة تنهض غالباً على مقولة "الحاجة أم الاختراع"، إذ لا يفكر المبتكِر أو المخترِع أو المكتشِف بما يريد أن يبتكره أو يخترعه أو يكتشفه إلا حين تلحّ الحاجة على ذلك، بحيث يتحوّل هذا المبتكِر والمخترِع والمكتشِف إلى مُخلّص ومنقِذ، بعد أن ينجح في وضع حدّ لمشكلة مستعصيّة تُعيق حركة البشريّة والحضارة إلى الأمام، وقد يقود هذا إلى المضيّ في سُبلٍ أخرى تتكشّف وقت العمل نحو اختراع ما يُشبع الحاجة الراهنة، ليعبر حدود الحاجة ويسهم في إنجازٍ غير مسبوق بوسعه أن يحلّ مشكلات مستقبليّة بطريقة استباقيّة تنبؤيّة.
تحرّكت الطبيعة هذه المرّة على نحوٍ مختلفٍ تماماً ووضعت العلم في زاوية حرجة فاجأتْ حراكه المعرفيّ وتقاناته ومنجزاته وغروره، وبدأت بامتحان قدراته على التصدّي والمقاومة والبحث عن حلّ لمقاومة عدوٍّ مجهولٍ اسمه "كوفيد 19" يضرب الآن في الصميم على مستوى الإصابات والوفيات وتحطيم المعنويات، ويتجوّل بحريّة كافية في أكثر أصقاع العالم تقدّماً علمياً ومعرفياً ونُظُماً صحيّة راقية، في قلب أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، وقبلها في الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وبعدها في العالم كلّه تقريباً بلا استثناء وبلا تمييز وبلا هوادة، فضرب بذلك مثلاً مضاداً ومُحيّراً على توحيد العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً تحت شمس الموت اللاهبة.
إنّ الصراع التقليديّ المعروف منذ بدء الخليقة بين الحضارة والطبيعة هو صراع ضروريّ لأسباب كثيرة تتعلّق بضرورات الحياة نفسها، ويمكن فهم ظهور الجائحات على مرّ التاريخ بأنّها نوع من دفاع الطبيعة عن نفسها لفرض معادلة مناسبة لاستمراريّة الحياة، فالطبيعة تدافع عن نفسها ضدّ الحضارة كلّما شعرت أنّ الحضارة تتغوّلُ أكثر ممّا يجب في تدمير عناصر الحياة الصافية والنظيفة في الطبيعة، فالحضارة دائماً تغتصب الفضاءَ والطبيعةَ وتقيم ناطحات السحاب والمشاريع الصناعية العملاقة على أنقاضها، كي يتحقّق لها ما تريد وتعبر من فوق الممنوعات وتستبيح الخضرة والماء والهواء النقيّ ولا تترك وراء عواصفها المدمّرة سوى مزيد من التلوّث والمجاعة
والموت.