الحَجر الصحّي للسير إسحاق نيوتن

الأربعاء 20 أيار 2020 142

الحَجر الصحّي للسير إسحاق نيوتن
جيف جاكوبي               ترجمة: جمال جمعة

في عشية عيد الميلاد عام 1664، تم العثور على امرأة مقيمة في لندن، تدعى جودومان فيليبس، وهي ميتة في منطقة "سانت جايلز إن ذا فيلدز" المتداعية. لم يترك "الدمل" على جثتها أي شك حول سبب الوفاة. تم إغلاق منزلها وطليت كلمات "ارحمنا يا ربّ" على الباب باللون الأحمر: لقد ماتت فيليبس بسبب الطاعون الدبلي.
 
فقط حالات وفاة قليلة أخرى بالطاعون تم الإبلاغ عنها خلال الشهور القليلة اللاحقة. لكن بحلول نيسان/ أبريل، أخذت الأرقام في التصاعد بشكل ملحوظ. عندما أقبل الصيف، كان الموت في كل مكان. أظهرت السجلات من منتصف تموز/ يوليو نحو 2,010 حالات وفاة منتشرة على كل أَبرشيّة في لندن. وقفزت أعداد القتلى بعد ذلك بأسبوع إلى 7496. على مدى 18 شهرًا، سيُؤدي طاعون لندن العظيم، كما أطلق عليه، بحياة أكثر من 100,000 شخص، أي ما يقارب ربع سكان المدينة.
في ذلك الحين، وكما هي الحال عليه الآن، كان التباعد الاجتماعي استجابة مهمة للتفشّي القاتل. فرّ سكان الحواضر الذين استطاعوا القيام بذلك إلى الريف. من بين المؤسسات التي أغلقت خلال هذه الفترة جامعة كامبريدج، ومن بين الطلاب الذين توجهوا إلى منازلهم للقيام بما نسميه اليوم الحجر الذاتي طالبُ رياضيّات يبلغ من العمر 23 عامًا اسمه إسحاق نيوتن.
لمدة عام ونصف لاحقة، مكث نيوتن في مزرعة أسرته في لينكولنشاير، يقرأ، يدرس، ويفكر لوحده. وفيما كان الطاعون الدَّبلي يحتدم في أماكن أخرى، شرع نيوتن بما وصفه لاحقًا بأنه أكبر حقبة إنتاج فكري في حياته.
 أحد الموضوعات التي طالما استحوذت على اهتمام نيوتن هي الضوء واللون. قبل عامين، وخلال زيارته لمعرض ستوربريدج السنوي بالقرب من الجامعة، ابتاع موشوراً زجاجيًا صغيرًا. كان مفتونًا بالطريقة التي بدا فيها الموشور يغير الضوء الأبيض إلى طيف من الألوان الشبيهة بألوان قوس قزح. لم يفهم أحد من أين أتت هذه الألوان؛ كانت إحدى النظريات أن الزجاج يضيف اللون بطريقة ما إلى الضوء عديم اللون.
قرر نيوتن استغلال غيابه القسري من كامبريدج لمحاولة فك اللغز. نصب موشوره في مواضع مختلفة أثناء تدفق ضوء الشمس عبر نافذته المواجهة للجنوب، ولاحظ بعناية أين تظهر الألوان على الحائط عبر فضاء الغرفة. وضع ملاحظات وقياسات تفصيلية، وفهم تدريجياً أن الموشور كان يكسر (أي يحني) ضوء الشمس، وخلال هذه العملية يكشف عن ألوانه المكونة. اكتشف نيوتن أن الضوء الأبيض هو مزيج من كل لون في قوس قزح، لكن تلك الألوان تصبح مرئية فقط عندما تنكسر أشعة الضوء في زوايا مختلفة.
تعتمد جميع البَصَريّات الحديثة على اكتشاف نيوتن. ستمر سبع سنوات أخرى قبل أن يُبلِغ نتائج أبحاثه إلى أي شخص آخر، وانقضاء 40 سنة تقريباً قبل أن ينشر النتائج التي توصّل إليها على شكل كتاب. لكن الرؤى المبتكرة يعود تاريخها إلى تلك الأشهر من الحجر الذاتي في مزرعة لينكولنشاير.
لم يكن هذا كل ما كان يشغل ذهن نيوتن. لقد حوّل اهتمامه إلى الحركة والجمود (القصور الذاتي)، وإلى المسائل التي كانت لم تُحل آنذاك بشأن كيفيَّة قياس السرعة المتغيرة واتجاه جسم ما أثناء الطيران. أطلِقْ سهماً أو قنبلةً من مدفع: ستراها تندفع إلى الأعلى، ثم تتباطأ تدريجيًا، بعدها ستغير اتجاهها وتنتكس مرة أخرى إلى الأسفل. ولكن ما الذي يحدد سرعتها واتجاهها؟ كان هذا لغزا لم يحلّه أحد، حتى ركز نيوتن اهتمامه على مسألة الحركة والقانون الذي يتحكّم بها. وبالتدريج قام بوضع القوانين الأساسية الثلاثة التي تجعل من الحركة مفهومة:
* الجسم الساكن سيظلّ ساكناً، والجسم المتحرك يظلّ متحرّكاً، ما لم تؤثر عليه قوة خارجية.
* القوة المؤثّرة على جسم ما تساوي كتلة ذلك الجسم مضروبة في سرعته، أو حسب التدوين الرياضي: F = ma.
* لكل فعل ثمة ردة فعل تساويه في المقدار وتعاكسه في الاتجاه.
 
الميكانيكا الكلاسيكية
وضعت قوانين نيوتن الأساس للميكانيكا الكلاسيكية، وعليها قامت أجيال من الفيزيائيين ببناء صروح شاهقة. الرياضيات المطلوبة لاشتقاق هذه القوانين، والتي تقتضي متغيرات متعددة مع الكميات المتغيرة باستمرار، لم تكن موجودة في أيام نيوتن. لذلك ابتكر نظاماً رياضيّاً جديداً تمامًا. أطلق عليه "طريقة التدفقات"، على الرغم من أنه سيُعرف في نهاية المطاف باسم "التفاضل والتكامل". (بشكل مستقل، قام العالم الألماني غوتفريد لايبنتس بتطويره لاحقًا أيضًا). بدون حساب التفاضل والتكامل، ستكون الرياضيات الحديثة، والهندسة، والإحصاءات، في عداد المستحيلات.
كلٌّ من هذه الإنجازات كان سيكفل شهرة نيوتن، لكن القمم التي ارتقى إليها خلال شهور عزلته لم تزل أكبر.
في حديقته ذات يوم، سقطت تفاحة فعلاً (أو هكذا كان يتذكر كرجل عجوز بعد ذلك بعقود). تفكّر الطالب الجامعي الشاب في القوة التي سحبت تلك التفاحة إلى الأرض. كانت قوة بدت وكأنها تعمل حتى على مسافات بعيدة: تفاحة تسقط من أعلى شجرة يمكن تصور أنها ستظل تصطدم بالأرض. إلى أي مدى تصل هذه القوة؟ ربما على طول الطريق إلى القمر. ومع ذلك، لم يسقط القمر على الأرض، بل دار حولها بدلاً من ذلك. لماذا؟
 
الحركة السماوية
لقد حيّرت مسألة الحركة السماوية المفكّرين في عصر نيوتن. يمكن لهم أن يتصوروا الكرة الأرضية تتأرجح من سلسلة، تدور وتدور حولها، قوة مركزية تمسك بها في مدار ثابت. ولكن إذا قطعت السلسلة، وتوقف الدوران، ستطير الكرة الأرضية بعيداً في خط مستقيم. لكنَّ الأجسام السماوية لا تطير في خطوط مستقيمة على الرغم من أنها غير مقيدة بالسلاسل، بل تتحرك في مدارات ثابتة. كيف يمكن لذلك أن يحدث؟
وحيداً في لينكولنشاير، حل نيوتن ذلك اللغز: بشكل يثير الدهشة، اكتشف قانون الجاذبية. نفس القوة التي تسحب التفاحة إلى الأرض تمسك بالكواكب البعيدة في مساراتها. كانت تلك القوة هي السلسلة التي تربط القمر إلى الأرض والكواكب إلى الشمس. الجاذبية لا يمكن رؤيتها أو لمسها، لكن يمكن إثباتها بالرياضيات. لقد ملأ صفحة بعد صفحة مكتظة بحساباته، واستنتج في النهاية الصيغة التي، كما قال، "تسمح لي بشرح نظام العالم".
لما يقرب من 20 عامًا، لم يخبر نيوتن أحدًا عن اكتشافه. وعندما نشر أخيراً أطروحته العظيمة عن الحركة والجاذبية، كان عنوانها (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية)، كان التأثير زلزاليًا. كانت اكتشافات نيوتن، على حد تعبير آلان تشارلز كورس، أستاذ التاريخ في جامعة بنسلفانيا، بمثابة "واحدة من أكثر التوليفات العلمية استثنائيةً في تاريخ العقل البشري".
 
سنة المعجزات
يُعدّ كتاب "المبادئ" بشكل عام أهم كتاب في تاريخ العلم. لقد زعزع الحضارة الغربية في صميمها، لأنه أثبت، كما لم يفعله أي عمل سابق على الإطلاق، أن الكون مُقَنَّن، ومنطقي، وقابل للمعرفة. بالنسبة لأوروبا المتدينة بشدّة، كان هذا يعني أن البشر المجرّدين يمكنهم إدراك مخطَّط الخلق نفسه. دراسة العالم بشكل تجريبيّ، وفهم طريقة عمله، تمكن من الاقتراب من عقل الله أكثر مما كان يُعتقد في أي وقت مضى. فرضت رؤى نيوتن خلال أشهر الطاعون الذي أبقاه في المنزل نظامًا رياضيًا للكون أوصد الباب بشكل دائم على عصر السحر والشعوذة، وفتح الباب على شيء أكثر إعجازاً: انتصار العلم الحديث. لقد أضحت تلك الحقبة المثمرة بشكل مدهش من "التباعد الاجتماعي" تُعرف باسم سنة نيوتن "أنوس ميرابيليس" ـ سنة المعجزات.
بخلاف الكثيرين الذين لقوا حتفهم خلال الطاعون العظيم في لندن، عاش نيوتن حياة طويلة جدًا. كان عمره 84 عاماً عندما توفي في عام 1727، ودُفِن مع كل التشريفات في دير وستمنستر.
لكن أشهر مرثاة له كان البيت الذي نظمه ألكسندر بوب، الشاعر الإنجليزي الشهير:
"الطبيعة وقانون الطبيعة يختبئان في عتمة الليل،
قال الله: فليكن نيوتن!، فكان كل شيء مضيئاً".