التباعدُ الاجتماعي.. ثقافة صحية طارئة

السبت 30 أيار 2020 564

التباعدُ الاجتماعي.. ثقافة صحية طارئة
بغداد / فجر محمد
 
منذ أن احتلت جائحة كورونا العالم وتأثيرها في جميع مفاصل الحياة المختلفة مستمر دون انقطاع، حتى اخذ مفهوم التباعد الاجتماعي يتصدر التقارير والدراسات، وتناشد به جميع دول العالم وتحث مواطنيها على التقيد به لحمايتهم والحفاظ على سلامتهم.
وحدة
جلست السبعينية ام هاشم بوجه حزين ومتكدر، ففي مثل هذا الوقت من كل عام وقبيل عيد الفطر المبارك كانت صالة المنزل ممتلئة باولادها واحفادها، واصوات ضحكاتهم تملأ المكان، تقول ام هاشم: الحزن يعتصر قلبي كلما تخيلت قدوم العيد من دون أن يطرق بابي أحفادي الصغار، لكن اجراءات الحظر والحجر الصحي المفروضة هي بالتأكيد لسلامة الجميع، لذلك انا مضطرة لتقبل الواقع والتعايش مع الموضوع، فلا بدّ أن ينتهي يوماً ما.
 
 صلاة العيد
 أبو هاشم لا يقل حزناً عن شريكة حياته، ولكن الامر مضاعف لحرمانه من صلاة العيد التي يلتقي فيها الاصدقاء والاقارب، اذ يقول ابو هاشم: كل عام وفي ليلة العيد اتهيأ للصلاة  واستعد للقاء الاصدقاء ومن ثم نتبادل التهاني، وبعدها نذهب لزيارة الاهل والاقارب الذين يسكنون بالقرب من منزلنا لكن هذا العيد سنضطر الى ارسال التهاني عبر وسائل الاتصال المتعددة، بانتظار انتهاء هذه الازمة والعودة الى مجريات الحياة الطبيعية".
 
تضاد
الباحث بالشؤون الاجتماعية والاكاديمي ولي الخفاجي اشار الى أن التباعد الاجتماعي في عرف علم الاجتماع هو بالضد من التواصل، خصوصاً ان هذا العلم ينادي بالتواصل الاجتماعي وان الانسان لا يمكن ان يعيش بمفرده، وكل الادبيات والاديان السماوية تدعو الى أن يكون الانسان مع المجتمع دائما وان يشاع التعاون بين الافراد جميعا، ومن المعروف ان الفرد يميل الى الاختلاط المجتمعي، وهو بطبيعته يرفض الوحدة والعزلة ولكن ظهور الوباء في الآونة الاخيرة فرض هذا البعد بين الناس
، حماية لهم. 
واضاف: الظروف الحالية فرضت التباعد القسري ما حرم الكثيرين من نعمة اللقاء مع احبائهم واصدقائهم، على الرغم من وجود العديد من العادات والتقاليد التي تربى عليها الكثيرون كصلة الرحم والتقارب بين الاهل والاصدقاء، وتعد هذه العادات من الثوابت الاجتماعية، لكن تغيرات الظروف والاوضاع فرضت على المجتمعات وافرادها أن يتعايشوا مع كل ما هو طارئ في محيطهم ويتخلوا عن ثوابتهم ولو لفترة من الزمن لحين عودة الوضع
 الطبيعي.
 
تقليل الاصابات
يؤكد الخبراء أن التباعد الاجتماعي هو الحل الأسرع لاحتواء وباء  (كوفيد-19) عبر التقليل من عدد الإصابات، ما دفع معظم حكومات العالم لفرض إجراءات متعددة وبدرجات متفاوتة، وفي دراسة أجريت بجامعة إمبريال كوليدج في لندن، قال الباحثون إن التصرف المبكر والصارم للحكومات يمكنه أن يقلص الوفيات بالفيروس بنحو
 95 بالمئة.
ويتطلب التباعد الاجتماعي بقاء الناس في منازلهم وإيقاف جميع الأنشطة والتجمعات، ما يعني إجبارهم على العمل من المنازل والدراسة عن بعد وركزت دراسة تحليلية للأكاديمية الملكية في لندن على دور التدابير المطبقة ببريطانيا في إبطاء انتشار الفيروس، وأكدت أنها ستؤدي إلى تقليل الطلب على نظام الرعاية الصحية بنسبة الثلثين، كما بيّن الباحثون أن تقليل التواصل بين عموم السكان بنسبة 40%، وبين كبار السن والضعفاء بنسبة 60%، قد يؤدي إلى خفض عدد المصابين بمقدار النصف تقريبا.
 
نسبة
واقترحت الدراسة تخفيف الإجراءات عندما يكون عدد الحالات التي تحوّل للرعاية المركزة أقل من 100 حالة في الأسبوع، وعندما يقترب من 100 يتجدد تشديد إجراءات التباعد الاجتماعي والإغلاق، وقد تستمر الحاجة إلى التباعد أشهرا عديدة حتى يتوفر اللقاح الشافي وفقا للباحثين، وتؤكد التقارير والدراسات  ان الهدف من الابتعاد هو تخفيض احتمالية الاتصال بين أشخاص مصابين بالعدوى وبين آخرين سليمين، لتخفيض نسبة انتقال العدوى و الوفيات ايضا في  نهاية
 المطاف.
 
خارج النطاق
 مركز السيطرة على الأمراض والوقاية (CDC) عرف الابتعاد بأنه مجموعة من "طرق تقليل التواتر والتقارب والاتصال بين الناس من أجل تقليل خطر انتقال المرض". خلال الوباء الفيروسي وان يبقى خارج نطاق التجمعات البشرية، وتجنب التجمعات الجماعية، والحفاظ على المسافة (نحو ستة أقدام أو مترين) عن الآخرين عند الإمكان". 
وخلال جائحة الانفلونزا عام 2009، عرفت منظمة الصحة العالمية الابتعاد بأنه "الحفاظ على مسافة بعيدة على الأقل من الذراع عن الآخرين، وتقليل التجمعات"، كما ركزت على الاهتمام بما يعرف بالنظافة التنفسية الجيدة وغسل اليدين، ويعتبر الطريقة الأكثر جدوى لتقليل أو تأخير
 الوباء.
 
ثقافة صحيَّة
الباحثة بالشؤون الاجتماعية والنفسية الدكتورة ندى العابدي ترى ضرورة التحلي بالثقافة والوعي الصحي الكاملين، ومحاولة التخلي عن بعض العادات والتقاليد المتعارف عليها كثيرا ومنها التزاور المستمر في ظل هذه الظروف الحرجة، ومن المهم الالتزام بالاجراءات والتعليمات التي فرضتها وزارة الصحة وذلك من اجل احتواء المرض والخلاص منه بشكل نهائي، وبذلك سيتمكن الناس من لقاء الاهل والاحباب مرة اخرى وفي ظروف اكثر اماناً
 وسلامة.
 
 وسائل
"لكل دولة في العالم وخصوصا العربية عادات وطقوس يقوم بها افرادها عندما يقترب العيد، ومنها اعداد الحلويات وزيارة احبائهم المتوفين، لكن اجراءات الحجر الصحي التي فرضت هذا العام  حرمتهم من ممارسة عاداتهم ، تقول السيدة ميس (ربة بيت): "قبل عيد الفطر المبارك نقوم بالتحضيرات والتجهيزات اللازمة، ونشتري الملابس للصغار ونعد الحلويات،  ثم نستعد لزيارة احبائنا الذين غادرونا ونزورهم في قبورهم ، وبعد ذلك نكمل زيارات العيد للاهل والاصدقاء والاقارب ونتبادل التهاني ، لكن  هذا العام مختلف وحزين بسبب ظهور هذا الوباء القاتل و استعضنا عن كل تلك العادات، بالتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل الاخرى
 المتنوعة".
 
ضغط
مهندس الحاسبات يوسف سامي اشار الى ان  شبكات الانترنت والاتصال في الآونة الاخيرة لاقت رواجا كبيرا، وذلك بسبب عدم قدرة الاهل على اللقاء المباشر خصوصا اولئك الذين تفصل بينهم محافظات ودول، اذ اعتادوا على لقاء بعضهم البعض في مثل هذه الاوقات، وبسبب جائحة كورونا منعوا من السفر بل وصل الامر الى استعداد العديد من الدول لفرض اجراءات وتعليمات اكثر صرامة في الاشهر المقبلة خاصة الاوروبية، لذلك سيكون من الصعب السفر والتنقل بين تلك الدول، ولكن التكنولوجيا الحديثة والتطور الذي حصل في العالم منح الناس فرصة اللقاء والتجمع الكترونيا وهكذا يكونون قد ضمنوا التواصل مع احبائهم .مبينا ان الضعف الحاصل في شبكات الانترنت وحسب تصريحات وزارة الاتصالات الاخيرة كان بسبب الاستخدام المضاعف للشبكة، ولان البنى التحتية للانترنت تتعرض بين الحين والاخر الى هجمات مسلحة لذلك فهي تعاني من الضعف.