ابن الغرين الأحمر الذي تعلّق بأرجوحة محمد خضير

الأحد 31 أيار 2020 176

ابن الغرين الأحمر الذي تعلّق بأرجوحة محمد خضير
قحطان جاسم جواد
 
 
 
على خط الأفق، كانت هناك مدينة اسمها القديم هو ارانجا أو كركوك، تتوسط جغرافية العراق في تنوع طوائفها وقومياتها. قيل عنها مدينة تشرب الضوء من الأفق مباشرة. لم يَرَ القاص محمد علوان جبر مدينة تشبهها، تختلف عن المدن بترابها الأحمر. قالت الاساطير إنّها شربت من صفاء أرواح القديسين الذين مروا، وهم يحملون تاريخ قرون سحيقة فصار ترابها أحمر، وتلوّن حصاها بألوانهم، ومهدوا الطرق للأنهار كي تمر وتتجمع في نهر لا قرار لصفائه اسمه "نهر الخاصة"، يشرب مياهه من الزابات الصغيرة والكبيرة. هذه صورة أرانجا. 
خطتها ريشة رجل يعشقها، وجد أن لوحته قاصرة غير مكتملة، فكتب الشعر علّه يدرك عظمة وجمال المدينة الواقفة هناك منذ القدم.. كركوك، لاتشبه، مدينة أخرى، هناك في تلك المدينة أبصر محمد النور .. وفتح عينيه ولم يجد غير النهر صديقاً والمدينة أماً وأباً، صحيح أن الفتى كبر وربما شاخ، لكن صورة المدينة المعلقة على خط الأفق لم تفارقه.. قادته أقدامه نحو مدن اخرى، لكن مدينة الغرين الأحمر ظلت تلازمه اينما حل... حياته في اربع محطات. الاولى محلة "بكلر" أو ـ العرصة ـ  وسط كركوك، ولادته 1954. بيت طيني فيه ثماني غرف، أسرته في غرفة منها، الأب رجل ريفي غادر العمارة، الى البصرة.. وهناك تزوج وتطوع في الجيش، نقل الى كركوك. وأخذ أسرته معه.
المحطة الثانية مدرسة العزة الابتدائية للبنين، كان متفوقاً في الدراسة وعاشقاً للسينما، تعرف على سينما العلمين التي يشاهد فيها الافلام .. فعشق ـ كيرك دوغلاس ـ  وبرت لانكستر ـ واودي مورفي ـ  والان لاند..  في الستين كتب قصة "السينما".
المحطة الثالثة ـ  في البصرة أكمل الابتدائية أثناء سجن الاب وانتقلت الأسرة الى بغداد فيها تخيّل نفسه رساما أو نحاتا. وعندما تقدم للاختبار في معهد الفنون، فشل في الاختبار، لكنه بدأ يجسد تماثيله عبر القصص لاصدقائه، كالتشكيلي عباس باني - والتشكيلي قاسم الساعدي، والتشكيلي كاظم خليفة.
 المحطة الرابعة ـ مقهى ابراهيم ـ المعقدين ـ التقى فيها بالكثير من الادباء، بدءا من فاضل العزاوي وحسين عجة وشريف الربيعي ومؤيد الراوي وحسين حسن والشاعر وليد جمعة وجمعة اللامي وصادق الصائغ. ثمّ درس في معهد الادارة قسم المخازن. وعمل موظفا في مصلحة المبايعات الحكومية كأمين مخزن. واخيرا معاون مدير بنك في مصرف الرشيد قبل أن يُحال الى التقاعد. بعدها عمل خبيرا قضائيا في المحاكم والضرائب.
تعرف على مجلة "الآداب اللبنانية" وقرأ قصة "الارجوحة" للقاص محمد خضير، فتعلق بها وقرأها غير مرة، وبدأ بجنون محاولاً أن يكتب شيئاً مشابهاً لها وفشل.. فكر أن يكتبها في دفتر مدرسي، وفعل وبدا كأنّه يحاول محاورة الشخصيات نفسها (الطفلة ـ الجندي ـ 
الأم ـ الارجوحة ـ الأب الحاضر الغائب -الجسر). من يومها بدأ يبحث عن الطريق المؤدي الى كتابة قصة ـ تشبه ـ  
الارجوحة  او تتفوق عليها.. فتواصل الامر حتى اللحظة التي قادته الظروف الى بيروت في مقتبل العمر، ويعمل في صحيفة يشاركه فيها كبار الكتاب العراقيين المنفيين من الاجنحة اليساريّة وبعض العرب كالشاعرين الراحلين مؤيد الرواي وشريف الربيعي. وهناك وجد نفسه وجها لوجه مع شاعر يعشقه ويحفظ جلّ قصائده. هو محمد الماغوط ووجد نفسه امام ادونيس ومحمود درويش ونزار قباني. كان صبيا صغيرا يجلس مع هؤلاء العمالقة بصفته ـ صحفي تحت التدريب ـ، وهناك تعلّم ـ ألف باء الصحافة المحترفةـ. وكتابة القصص التي كان يحلم أن يقترب فيها من أرجوحة محمد خضير .. حتى وبنفس الغموض والظروف وجد نفسه عائدا الى بغداد ..  فكانت الجبهة الوطنية.. وكانت طريق الشعب والفكر الجديد والثقافة الجديدة ومجلة الثقافة. انغمر يكتب التحقيقات الصحفية، لأنّها أقرب الاشكال الصحفية الى القصة فقدم عشرات التحقيقات، التي نشرت في طريق الشعب والفكر الجديد. 
ولم ينته الامر حتى انهارت الجبهة ووجد نفسه مرة اخرى مطارداً لايعرف أين يمكن أن يمضي، وماذا يفعل. 
فبقي متخفيا متنقلا بين بيوت اصدقاء واقرباء حتى اللحظة التي قرر فيها أن يمضي الى قدره، فعاد الى البيت، وبقي بانتظار من سيطرق الباب، لكن الباب لم يطرق من أحد حتى اللحظة التي طرقت فيها بوابات الوطن أطول حرب في التاريخ .. حرب سرقت احلام جيله والاجيال اللاحقة. فسيق اليها مجنداً وخائفاً ومذعوراً، وعاشها بكل مافيها ثمانية اعوام بالتمام والكمال، خرج منها بذاكرة مشوشة وعقل لايعرف كيف يمكنه أن يبتعد عن ذكريات الحرب. فكتب عنها مجموعته الاولى التي سببت له اشكالات كثيرة بدءا من عنوانها الصادم "تماثيل تمضي .. تماثيل تعود" التي وافقت وزارة الاعلام بصعوبة على طبعها. أعقبها بمجموعة اخرى "تفاحة سقراط" ومن ثم "شرق بعيد" وروايته "تراتيل العكاز الاخير"، التي كانت تطمح أن تجيب عن سؤال "ماالذي فعلته الحرب بنا"؟  او "ماذا يمكن ان تفعله الحرب 
بالبشرية".
وهذا الامر دفعه لانجاز روايته التي يعدها بصمته الحقيقية "لماذا تكرهين ريمارك؟" عائدا الى الجذر الذي عشقه ذات يوم وهويقرأ "للحب وقت .. وللموت وقت"  للالماني "اريك ماريا ريمارك، الذي استطاع أن يحفر اهميته كأفضل من كتب عن الحب والحرب، عبر هذه الثنائية "ثنائية الحب والحرب". كتب "لماذا تكرهين ريمارك" متناولا فيها سيرة وطن عبر سيدة عراقية "باجي ثريا". هذه بعض اللقطات التي سجلتها تضاريس ذاكرتي عن حياة الروائي محمد علوان جبر، الله يرحمه وهي فصل من كتابي بورتريه لذاكرة بيضاء ج2 الذي سيصدر 
قريبا.