الهروب الصعب

الأحد 31 أيار 2020 715

الهروب الصعب
د. فلاح الحسن
 
من حربٍ إلى أخرى ومن قتلٍ إلى آخر ومن حصار الجسد إلى حصار الروح، يمتدُّ بي العمر على سكة لم أحدد أو أختر قطارها ولا محطاتها. وجودي فيها كان أشبه بالحلم أنتَقلُ من مشهدٍ إلى آخر بأيادٍ خفيَّة. كنا ننتظر أنْ نرى ضوء الشمعة الموعود في آخر الطريق. نركض تارة ونهرول أخرى ونحث السير ابتغاء حلم سمعنا عنه ولا نعرف تفاصيله. أنهكتنا المحطات المعتمة ورائحة الموت التي ملأت زوايا الروح. لم يكن للمنطق مكان، خطوات تبعتها خطوات ومسافات لحقتها مسافات ساقتني إليها الأقدار بغير قرارٍ مسبق. كان جوازي الأول ورحلتي الأولى التي بدأت ولم تنته حد اللحظة. ما زلتُ أسيرَ تفاصيلها الصغيرة، فضلاً عن محطاتها الفاصلة متنقلاً بين هذه الدولة وتلك وبين هذه المدينة التي ترميني الى حضن نظيرتها بعد أنْ تركت في ذاكرتي لونها وسحرها وملأ رئتي غبار شوارعها.
 
البداية
-  لا اصدق أني متوجه الى الحدود. لم أشاور أحداً ولا أعرف كيف اتخذت قراري بالهروب. لم أخطط لمثل هذه الأمور لكنها أصبحت واقعاً وأنا الآن في طريقي إلى البوابة الوحيدة التي كانت مفتوحة ذلك الوقت. كان الحصار يشتد والجوع قاسياً يغرز مخالبه في بقايا الجسد. فللخروج ضريبة وللبقاء ثمن، وأنْ تتنفس الهواء كان عليك أنْ تعلن امتنانك للرئيس الذي ليس كمثله رئيس!! أجسادنا المتعبة المتهالكة هي كل ما نملك، فلا مال ندفعه للخروج ولا وسيلة نعرفها للوصول إلى الضفة الأخرى، الضفة المجهولة بالنسبة لي. إمّا أنْ تكون مريضاً ولديك تقريرٌ طبيٌّ أو تكون موفداً من الحكومة أو طالباً تذهبُ للدراسة أو تدفع مبلغاً خيالياً بالنسبة لي ذلك الوقت، أو أنْ تبقى تبتهل للرئيس الذي يفكر بدلاً عنا ويخبرنا بما يجب أنْ نفعله في خلواتنا مع أنفسنا، وكيف يجب أنْ ننام وماذا وكيف نرتدي. فكانت الدراسة هي الوسيلة الوحيدة أمامي للخروج من عالمٍ لم أنتم إليه إلا جسداً ووجودي كان ليس إرادياً. راسلت أغلب الجامعات والمعاهد في أوروبا الغربيَّة وفي روسيا. جاءتني ردودٌ مختلفة لا تفي بمتطلبات منحي رخصة الخروج من دون دفع ضريبة إلا رداً يوافق شروط وزارة التعليم. أكملت أوراقي وحصلت على تأشيرة الخروج المجانية. في الوقت نفسه كنتُ قد عزمت على الوصول إلى إحدى الجامعات في أوروبا الغربيَّة بعد موافقتهم المبدئيَّة مشترطين وجود كفيل.
جرت العادة أنْ تنطلق الحافلات باتجاه الحدود بعد العشاء تقريباً لتصل نهار اليوم الثاني الى محطتها النهائيَّة. جلسنا أنا وصديقي في مقعدين متجاورين:
- ها أبو أدهم، أخيراً سنخرج من هذه الزنزانة إلى العالم الواسع!!!
- توكل على الله، الطريق ما زالت طويلة. ونحن في الخطوة الأولى منها.
تجاوزت الحافلة حدود بغداد، ساد الصمت إلا من بعض الأصوات الخافتة في مؤخرتها. أرجع بعض المسافرين رؤوسهم الى الخلف وقد أغمضوا أعينهم والبعض الآخر مال يميناً أو شمالاً بحثاً عن وضعية يريح بها جسده.
كذلك فعلت أنا، محاولاً الكفَ عن التفكير في قادم الأيام ولو لفترة قصيرة. كانت الطريق خالية من الإنارة إلا من مصابيح الحافلة الأماميَّة وهي تقتحم الظلمة كقاربٍ يمخر عباب البحر الهادئ في ليلة غاب فيها القمر. كل مقتربات الشارع - حتى الأسوار الواقية من الحيوانات البرية التي تجوب الصحراء ليلاً لمنع وقوع حوادث مؤسفة قد سُرقت ولم يبق منها شيء يذكر. وضعت رأسي قرب زجاج النافذة محدقاً في أبعدِ نقطة ضوءٍ تراها عيني. 
أعادتني ظلمة الطريق إلى زيارة خفافيش الليل لبيتنا في ليلةٍ اخذتْ حيزاً مهماً وتركتْ بصمةً لا تُنسى في الذاكرة: 
 
خفافيش الليل
 فوهات البنادق تُحيط بنا من مكانين، ورجال يرتدون الزيتوني انتشروا على سقف منزلنا الذي يشبه حرف (L) في اللغة الانكليزية، في ليلةٍ صيفيةٍ حارةٍ، صاح بي أحدهم:
- أعطني بطاقتك، بصوتٍ عالٍ طلبَ مني أحدهم شاهراً بندقيته الكلاشنكوف.
كنا ننامُ في باحةِ بيتِنا الصغير، أمي وبعدها أصغرنا سناً وبعده الأكبر فالأكبر وصولاً إلى أختي الكبرى. أمّا أنا فكنتُ أنام خارج هذا الخط الذي يشبهُ علبة سمك السردين المعلب. أنا أكبر الأولاد سناً، فكنتُ أنام منفرداً بمحاذاة رؤوسهم. في بعض الأحيان كنت أضع عصاةَ أبي تحت الفراش تحسباً لأي طارئ، وتركتُ هذه الفكرة بعد أنْ شعرتُ بعدمِ جدواها. 
مع ارتفاع أصوات الرجال مع بنادقهم، بدأ أخي الأصغر بالصراخ، لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات تبعنه أخواتي.
- أعطني بطاقتك الشخصيَّة.
أردت أنْ أنهض من فراشي
- لا تتحرك
- كيف أعطيك بطاقتي وأنت تأمرني بعدم الحركة؟ بطاقتي داخل قميصي في الغرفة وأنت تراني مستلقياً في باحة البيت. في هذه الأثناء استطعت أنْ أرى عدد فوهات البنادق الموجهة نحونا من سطح الدار. لم أتم الثامنة عشرة بعد وها هي البنادق مصوبة نحوي ولا أستوعب ما يدور حولي! ماذا اقترفنا ليرسلوا إلينا هذا العدد من المدججين بالسلاح؟ 
استمر إخوتي بالصراخ وأصواتهم تخترقُ جدران البيت لتنتقل إلى آذان الجيران في البيوت المجاورة لنا، وأنا مستلقٍ على فراش النوم لا أستطيع الحركةَ حسب الأوامر الملقاة إليّ. عرفتُ عدداً منهم، إنهم أبناء محلتنا! أعضاء في الحزب يرتدون الخاكي المميز في ذلك الوقت المسروق من العمر.
-  يا أبا علي ألا تعرفني؟ دعني أدخل الغرفة وأجلب لك البطاقة التعريفيَّة. 
- حسناً، انهض بهدوء ولا تقم بأية حركة غير طبيعيَّة وإلا أطلقت عليك النار.
في هذه الأثناء طلبوا من أمي أنْ تفتحَ البابَ الخارجي ليدخل المتبقي منهم إلى داخل البيت. دخل اثنان أو ثلاثة منهم إلى الداخل، لا أتذكر التفاصيل بسبب الفوضى والصراخ الذي ملأ المكان. دخلت الغرفة وأخرجت بطاقة الكلية التي كنت أدرس فيها سنتي الأولى.
- عرضتُ عليه بطاقتي وأنا أساله: هل نسيتني؟ هل تحتاج بطاقتي لتعرف من أنا؟ نحن نسكن المحلة منذ زمن طويل، تراني كل يوم. بأي حق ترهبونا بهذا الشكل؟ أخفتم الأطفال، قُبيل صلاة الفجر! 
- جاءتنا أوامر من الفرقة الحزبية أنْ نقتحم المكان لنقبض عليك لأنك هارب من الجيش.
- لكنك تعرف جيداً أني طالب في الكلية ولست جندياً في الجيش، فكيف أكون هارباً وأنا لم ألتحق بالجيش أصلاً!!! وأين هي استمارة المعلومات التي كنا نملؤها كل شهر تقريباً وفيها كل شاردة وواردة عن أفراد الأسرة؟ ألستم تعرفون الصغيرة والكبيرة عنا؟
لم ينبس ببنت شفة. خرج الجمعُ وهم يحملون بنادقهم التي وجهوها قبل قليل لصدور أطفال لا تتجاوز أعمارهم سن العاشرة!!! رافقتهم إلى الشارع فوجدت عدداً آخر منهم ورأيت السلالم التي استخدموها ليتسلقوا الجدران وصولاً الى سطح المنزل، والجيران يتابعون الأحداث من فتحات الأبواب وهم يتلصصون ويسترقون السمع لمعرفة ما يجري. لم أكن أعرف حينها واجبات الحزبيين من أبناء محلتنا شيئاً. أسمع عن الاجتماعات الحزبية التي كانت تعقد في المدرسة الابتدائية المجاورة لبيتنا بعد الساحة التي كانت تتوسط المحلة. كانوا يجلسون في أحيانٍ كثيرة في باب المدرسة يبحلقون بالمارة، وخاصة النساء منهم اللواتي يذهبن الى السوق القريبة. بعد هذه الحادثة عرفت أنهم يؤدون واجبات رجال الأمن ويعتقلون الهاربين ويقطعون آذانهم وينفذون حكم الإعدام رمياً بالرصاص بالبعض الآخر.
أجلس بمحاذاة النافذة، الحافلة مليئة بالعراقيين، لا أصدق أنني متوجه إلى الحدود، أُحدق في كل شيء تمر به الحافلة. الصحراء تحتضن الطريق من الجانبين، الرمال والأفق الممتد الى المجهول. أرضٌ شاسعةٌ لا يغطيها شيء إلا من أشعة المصابيح المنطلقة من الحافلة التي تنعكسُ على حباتِ الرمال لتنعكس مرتدةً في اتجاهاتٍ مختلفةٍ وبألوانٍ متنوعة، هل تحتفلُ الصحراءُ بهروبي من سجني الكبير! أحاول أنْ أجمعَ أفكاري أرتبها فكل ما لدي مجموعة أوراق وشهادات ومبلغ صغير جداً من المال استلفته من صديقي الذي تعرفت عليه أيام الكلية. الهمهمات والهمسات التي تتخللها كلمات بصوتٍ عالٍ بين المقاعد، الكل منشغلٌ ويتبادل أطراف الحديث مع جاره في المقعد. هموم وهواجس وأحلام وأمنيات تنقلها الكلمات الى الطرف الآخر، ليأتي الرد بسيطاً:
- علينا أولاً أنْ نجتازَ الحدود وبالخصوص الجانب العراقي، حيث التدقيق الأمني والأسئلة المعهودة: إلى أين؟ ماذا ستفعل؟ ولماذا؟
أحاولُ أنْ أُغيرَ الأجواءَ الرتيبة، أنهضُ من المقعد باتجاه سائق الحافلة وأقف قريباً منه وأرمي نظري على طول الطريق السوداء الاسفلتية. للمرة الأولى أرى الصحراء بشكلٍ مغايرٍ لما اعتدت عليه. يسألني مساعد السائق:
- هذه سفرتك الأولى؟ 
- نعم
- لن تكون الأخيرة، وستعتاد رؤية هذا المنظر
أشعر بتمايل الحافلة الخفيف ذات اليمن وذات الشمال، أحس وكأني في المهد طفلاً تُهدهدُني أمي بأغانيها الحزينة، عن فراقِ الأحبةِ والأهلِ وعن عدوي العليل الذي يسكنُ الخلاء:
(دللول الولد يبني دللول عدوك عليل وساكن الجول)
ما أعذبَ صوتها الشجي الذي ترافقه كالعادة دموعها التي تنسابُ بصمتٍ على خديِها الشاحبين بجانبِ المهدِ وهي تحاولُ تنويمَ أخي الأصغر، كانت الأب والأم ورب البيتِ بعد وفاة أبي المبكرة. لم تكن تُجيد القراءة والكتابة لم تعمل يوماً في أي عمل غير واجبات البيت وإعداد الطعام للأسرة واستقبال الضيوف الذين لم يفارقوا بيتنا يوماً. كان جدي يسكن معنا لذلك كان بيتنا مقراً لاجتماعِ أبناء العمومة الذين كانوا يأتون ليتسامروا بعد العشاء عندنا. أبي كان أكبر إخوته سناً لذلك لم يتغير الحال بعد وفاة جدي واستمر الوضع على ما هو عليه. يجتمعُ الاخوةُ وأبناء العم في بيتنا بعد صلاة العشاء ليجتروا ذكرياتهم وماضيهم وكل ما مرَّ بهم أيام الصبا. كانت حكاياتهم عن الزراعة والصيد ومشكلات العشيرة التي لا تنتهي. كان عليّ أنْ أصغي لحكاياتهم لأتعلم العبر والدروس، حسب ما يراه أبي الذي كان يقول لي:
- المجالس مدارس يا بُني، لا تخرج الى الشارع لتلعب مع الآخرين وأجلس معنا فأنت أكبر أبنائي. كنت أحاول بين فترة وأخرى أنْ أتسلل إلى الشارع بعيداً عن أنظار أبي وعندما أرجع أرى علامات الغضب مرسومةً على محياه وهو ينظر إليَّ شزراً ولسان حاله يقول: ألم أقل لك إبق معنا ولا تخرج؟
كنت أسمع صيحات الصبية يلعبون في الشارع وضحكاتهم، وعليّ أنْ أجلس مع أعمامي وأبناء العشيرة الذين يكبروني بعشرين أو ثلاثين سنة، ليس بيني وبينهم أي مشترك لا في الاهتمامات ولا في الأفكار ولا في المدرسة.
لا يعرف الجالسون عن كرة القدم ولا يشجعون أي نادٍ من النوادي التي أعرفها ولا يتكلمون عن الأفلام المتحركة ولا يعلمون شيئاً عن خصومتي مع صديقي في المدرسة حول جزمته البلاستيكيَّة الطويلة الجديدة التي يلبسها. كان الجو ممطراً وامتلأت ساحة المدرسة الكبيرة التي تقع خلف قاعات الدراسة بمياه الأمطار، قررنا أنا وصديقي مجيد ابن الجيران أنْ نذهب الى هناك. لم يكن هناك أحد سوانا ثم التحق بنا زميلٌ آخر طيب القلب جداً، هادئ الطباع يلبسُ جزمة بلاستيكية طويلة بينما كنا نرتدي أحذيتنا العادية التي نرتديها كل يوم. وقفنا أمام الساحة التي تحولتْ الى مسطحٍ مائي كبير لكنه ليس عميقاً، نمعنُ النظرَ في المياه الراكدة بحثاً عن شيءٍ نشغل به أنفسنا بعد هروبنا من قاعات الدراسة، نرمي الحجارة لترسم دوائر على سطح الماء.
فجأة تفتقت قريحتُنا عن فكرةٍ جهنميةٍ لقضاءِ الوقت واللهو. 
حملَ مجيدُ حجراً بيده اليمين مهدداً زميلنا وأمره أنْ يحملني على كتفيه ويأخذني في جولةٍ داخل البركة لغايةِ سورِ المدرسة الذي يبعدُ مئة متر أو أكثر من جدران القاعات الخلفية، وإذا لم يفعل سيستقرُ الحجرُ في جبينه أغلب الظن، عقوبة على رفضه الانصياع للأوامر التي اتخذناها. لم يكن أمامه متسعٌ من الوقت للتفكير، فالتهديد واضح والحجر على بعد مترين منه يحمله مجيد بيده الصغيرة وهو يجيد التصويب والدليل الشبابيك والمصابيح الكثيرة التي كان يكسرها بما كان يرميه من أحجار وهو يلهو في الشارع. انحنى زميلنا مضطراً وتسلقتُ على كتفيه وتدلتْ ساقاي الصغيرتان على صدرهِ وأخذني إلى سور المدرسة المقابل خائضاً في مياه الأمطار التي كانت تغطي الساحةَ كلها تقريباً من السور لغاية القاعات الدراسية. وفي رحلةِ الإياب كنت فرحاً سعيداً بهذه اللعبة الجديدة التي اكتشفناها. وعندما عاد بي إلى نقطة الانطلاق الأولى، نزلتُ وجاء دوري في حمل الحجر كما فعل مجيد وأعدت العبارات نفسها تهديداً ووعيداً مطالباً زميلنا بأنْ يحملَ مجيداً هذه المرة ويأخذه إلى السور البعيد وإنْ فكر بأي شيء آخر فإنَّ الحجر الذي يملأ يدي الصغيرة سيكون له بالمرصاد. إنهم لا يعرفون ماذا يفعل مجيد عندما يرجع أبوه من العمل ونحن نلعب أمام بيتهم! كان الأب طيب القلب ينظر إلينا جميعاً كأبنائه وكنا نستقبله مسرعين حفاة الأقدام وقد علا الغبار وجوهنا من كثرة اللعب في الشارع يُعطينا مبلغاً صغيراً من المال. نأخذ هذا المبلغ البسيط ونسرعُ للدكان الذي يملكونه وهو جزءٌ من بيتهم، وفي هذا الوقت يركض مجيد ليدخل البيت ومنه إلى الدكان ليستقبلنا ضاحكاً وعندما نعطيه المال لنشتري الحلوى يقول: 
- هذه أموال أبي ولن أعطيكم شيئاً، ويهرب إلى داخل البيت من الباب الثاني للدكان.
-  نبقى واقفين أمام الدكان عسى أنْ يظهر مجيد مرة أخرى ليعطينا الحلوى مقابل الفلوس التي هرب بها. لكنْ هيهات ما هذه فعال مجيد.
إنهم لا يعرفون ماذا فعلت اليوم بزميلتي في الصف، كنت أجلس في المقعد الأخير وأمامي تجلس فتاة لطيفة طيبة ومسالمة. كانت ترتدي الزي المدرسي كما يفعل الجميع، عبارة عن قميص أبيض وبدلة زرقاء داكنة وفيها من الخلف شريطان يُربطان على شكلِ وردة. قمتُ بفكِ الشريطين وربطهما الى المقعد، لم تشعرْ ليلى بذلك وعندما دقَ جرسُ نهايةِ الدرسِ انطلقتْ إلى الأمام بهدف الخروج من القاعة، لكنها رجعتْ بالسرعةِ نفسها التي انطلقت بها لكن بالاتجاه المعاكس بعد أنْ سحبها شريطا بدلتِها المربوطان بحديدِ المقعد الخلفي!
كيف أجلس معهم وأصدقائي يلهون ويمرحون في الشارع. كان صراعاً صعباً بين طفلٍ يريدُ أنْ يلعبُ وأمر البقاء في البيت والاستماع لحديث الكبار الذي لا يمتُ لطفولته بأي صلة، فعالمه يختلفُ 
عن عالمهم. 
أخبارُ الحربِ كانت تأخذُ حيزاً كبيراً من حديثهم اليومي. عدد الخسائر في الأرواح ورفضهم المطلق للحرب الذي يؤكدونه بصوتٍ خافتٍ خوف أنْ يسمعهم أحد وينقله إلى أسماع الفرقة الحزبية التي تقع على مقربةٍ من بيتنا. كان الحزبيون يشغلون مبنى المدرسة نفسها التي نرتادها صباحاً. يشغلونها مساءً لإنجاز واجباتهم الحزبية ويطغى على أغلبها الجوانب الأمنية: من يرتاد الجامع وبمن يلتقي وعماذا يتحدثون، هل التحق الجميع بالجيش الشعبي ممن لم تشمله الخدمة الإلزامية في الجيش؟ هل هناك ساكنٌ جديد في المحلة ومن أين جاء وهل هو منتمٍ للحزب أم لا؟ هل هناك هارب من الجيش؟ بمعنى آخر انهم يتابعون كلَ شاردةٍ وواردةٍ في المحلة. 
 كان أهلي يخافون الحديث بصوت مرتفع عن وقائع الحرب التي تحصد يومياً أرواح فلذات أكبادهم. يحاولون الحصول على الاخبار من الإذاعات العالمية المتاحة ذلك الوقت الناطقة باللغة العربية. في كثير من الأحيان يبدأ الحديث بخبرِ استشهاد أحد أبناء العمومة في المعارك التي تدور رحاها على الحدود. أصبحت اخبار المعارك زادهم اليومي وهم ينتظرون الضحية القادمة لهذه المطحنة التي لا تبقي ولا تذر، ووقودها خيرة شباب البلاد. أصوات الرصاص المنهمر من فوهات البنادق يرافقها عويل الثكالى والأرامل أثناء تشييع جثامين الشهداء هي إعلان استشهاد أحد أبناء المحلة. أصبحت هذه الأصوات من المسلمات وجزءاً من حياتنا اليومية (لا يمر يوم والعراق ليس فيه دم). الحرب وأخبار الرئيس هي المادة الأساس على شاشة التلفاز. 
رجعت الى مقعدي الى جانب رفيقي، الذي بادرني بالقول:
- ما زال الدرب طويلاً لنصل الحدود، اجلس. 
بعد وقت من المسير توقفت الحافلة في أحد المطاعم على الطريق السريع ليأخذ المسافرون قسطاً من الراحة ويتناولون بعض الطعام. دخلنا المطعم ولم نتناول شيئاً، أردنا أنْ نقتصد بالنفقات فما نمتلكه لا يسد احتياجاتنا إلا لأيامٍ معدودة. لا أعرف بالضبط كيف يمكن السفر إلى بلادٍ أخرى حاملين مبلغاً لا يكفي لمعيشةِ أسبوع في أحسن الأحوال. كانت أمي قد وضعتْ في حقيبتي شيئاً من المعجنات (كليجة) وقليلاً من التمر متاعاً لي. بعد توقف قصير انطلقت الحافلة مرة أخرى تطوي المسافات والطريق كأنه أفعى تتلوى وسط الصحراء. أرض جرداء لا ماء ولا خضراء خالية إلا من هذا الطريق الذي يمنحها شيئاً من الحياة فقد كان المتنفس الوحيد للبلاد في ظل الحصار الخانق الذي قضى على كل شيء تقريباً. باعَ الأقاربُ والأصدقاء كلَ ما يملكون من مدخرات ليشتروا شيئاً من الطعام لهم ولأطفالهم بعد أن أصبح الراتب لا يساوي أكثر من دولار واحد.
 مع كل دورة لإطار السيارة تقصرُ فيها المسافة إلى الحدود التي كانت تمثل باباً جديداً لحياة أخرى نحلم بها. نعم نحن في طريق الخلاص الذي نعتقد، هرباً من الكابوس الجاثم علينا منذ أن أصبح الرئيس قائداً أوحداً لا يقربه الباطل من شماله أو يمينه. كان الخوف ممتزجاً بكلِ تفاصيل الحياة، جهاز الامن والتعذيب والإعدام والمنظمة الحزبية والموت كانت أكثر المفردات تداولاً في أحاديث الهمس التي كانت تجري بيننا، كأنها همس العشاق. الاذان المنتشرة في الجلسات والبيوت والشوارع والمقاهي والجلسات الخاصة وحتى لقاءات الغرام، حولت كل شيء الى خوفٍ ممزوجٍ برغبة الحياة التي أصبحت فارغة من محتواها الحقيقي.