المواطن المتمرد

الأربعاء 03 حزيران 2020 283

المواطن المتمرد
ساطع راجي
 
لا يوجد وقت لاستعادة الاسئلة الاولى أفضل من الازمات التي تهدد الوجود وتدفع الى إجراءات تدمر الايقاع اليومي للحياة الذي نكتشف فجأة جماله بعدما كان الجميع يفكر في كسره، أزمة عامة مثل وباء كورونا يمكنها ان تعرض لنا كيف تجاهل البشر عبر التاريخ الاخطار التي تحولت الى كوارث أطاحت بالحضارات وأبادت الأمم، يظهر لنا هذه الايام ان كثيرا من البشر لا يمانعون من المخاطرة بوجودهم مقابل استمرار ايقاع حياتهم اليومية او حريتهم عبر رفض النصائح الطبية.
لقد عظمت الآداب والفنون والفلسفة شأن الحرية حتى اذا اقتربت من التمرد المزاجي ولذلك ليس من السهل توجيه نقد رصين يتجاوز التخويف المباشر لمن يتمرد على النصائح الطبية فقد تمرد البشر في الغرب مثلا خلال ستينيات القرن الماضي على قيم المجتمع ووصايا الاباء حتى في ما يتعلق بالنظافة الشخصية.
لنتذكر هنا إن الاقامة الالزامية في مكان محدد وتحديد الحركة هي في الاصل عقوبة إن لم تكن بقرار شخصي لدوافع ذاتية وهو سلوك نادر يعيشه افراد قلائل وهم اما زهاد او اثرياء اتخذوا قرار العزلة بحرية، المتمردون إذن يحتفظون بهذا الاصل بمخاطرة كبيرة ويصعب عليهم تقبل الحقيقة التي تهدد هذا الاصل.
نقد المتمردين على النصائح الطبية ومهاجمتهم سهلة ومريحة لمن يريد البحث عمن يحمله مسؤولية تزايد الاصابات، لكن تفكيك سلوك التمرد وفهمه هو المهمة الشاقة ليس بسبب الصعوبات العلمية وانما خوفا من الحقائق وبالتالي من المسؤولية عن وجود فئة لا تهتم بالمرض والموت ولا تثق بالتوجيهات الطبية والحكومية والاعلامية.
الرافضون للالتزام بحظر التجوال ونصائح التباعد الاجتماعي كانوا بيننا دائما وهم لا يلتزمون بالقوانين والنصائح في السكن والعمل ويتدبرون حياتهم بالتمرد الذي لشيوعه صار مستقرا ومصانا اجتماعيا نظرا لعجز السلطة عن ايجاد البدائل القانونية لتسيير معيشة هؤلاء المواطنين، هذا الوضع او نمط العلاقة بين المواطنين والسلطة يهدد موقع الحقيقة بكل أشكالها في المجتمع.
ينظر من يتمرد للبقاء على قيد الحياة الى كل سلطة بعين الريبة وهو غالبا لا يحترم المختصين حتى لو قدموا أنفسهم كأنبياء معاصرين يعدون بالفردوس ويهددون بالجحيم بحسب الالتزام بتعاليمهم ونصائحهم التي يريدون تكريسها كشريعة ثابتة للبشر، المختصون هؤلاء ليسوا علماء وانما مهنيون يقدمهم الاعلام في وجباته على مدار الساعة الى حد الاستهلاك.
الانسان الذي يعيش بسبب تمرده ينظر الى المختصين بوصفهم سبب بؤسه فيتجاهل حقائقهم، لأنه يفترض انهم يشاركون في ادارة الاقتصاد والامن والتعليم والخدمات والاعلام وغيرها من القطاعات، والمتمرد يجد ان كل هذه القطاعات تتجاهله او تعمل ضده او لا تفي بوعودها له، فلماذا يخضع لها؟!.الشك بالسلطة (سياسية او صحية او اقتصادية) تدفع بالمتمرد الى تجاهل كل الحقائق التي تصدرها عنها، ووصل الشك في بعض المجتمعات الغربية الى حد ظهور جماعات ترفض اللقاحات مثلا، انعدام الثقة هذا نتاج عقود من السياسات الخاضعة للربحية الاقتصادية والانتخابية التي استهلكت فيها الشركات والاحزاب كل رصيد الثقة لدى المواطن الذي قد يرى في اجراءات مواجهة الوباء تمرينا سياسيا للحد من حريته مستقبلا ولإدارة المجتمع بالحد الادنى من البشر فإذا انتهى الوباء لم يجد له مكانا في العالم.