متى نتنفس؟

الأربعاء 10 حزيران 2020 545

متى نتنفس؟
ميادة سفر
تلك الصرخة التي أطلقها الآلاف من الأميركيين تنديداً بالعنصرية واحتجاجاً على مقتل الأميركي من ذوي البشرة السوداء «جورج فلويد» خنقاً من قبل أحد رجال الشرطة في مشهد بات معروفاً بواسطة الفيديو الذي تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لست هنا بصدد الحديث عما يحدث في أميركا وتبعاته فقد تحدث ويتحدث عنه كثيرون، لكنني وددت أن أستعير تلك الصرخة في محاولة لإسقاطها على واقعنا العربي، فكانت تلكم النتيجة من بعض الجوانب.
تريد الشعوب العربية أنْ تتنفس.
أولاً الأمن والسلام بعيداً عن الحروب والقتل والدمار، أنْ تستنشق روائح طبيعية بدلاً عن رائحة الرصاص والقنابل والجثث والأشلاء المتناثرة هنا وهناك، فبعد كل ذاك التاريخ «الحافل» بالدماء تتطلع اليوم شعوب هذا الشرق العربي إلى بناء تاريخ يحفل بالطمأنينة والسلام، تريد أنْ تتنفس واقعاً خالياً من الحروب.
أما الأوضاع الاقتصادية فحدث ولا حرج عليك، لا من حيث التردي الذي يتضاعف يوماً بعد يوم ولا من حيث الفقر الذي بات السمة الأبرز لكثير من الأسر العربيَّة، فجدير بهذه الشعوب أنْ تتنفسَ رائحة الخبز، وأنْ تنعمَ بحياة تقترب من «الكريمة»، بعد أنْ بات الوضع أكثر خنقاً من ساق الشرطي الأميركي على رقبة مواطنه، الصرخة عالقة في حلوق الآلاف ممن يركضون وراء رغيف من دون أنْ يلحقوا به.
أما لو اقتربنا من المنطقة الأكثر خطورة في واقعنا العربي ألا وهي «الحرية» بكل جوانبها، لا سيما حرية التعبير، فيبدو جلياً هنا أنه لا تنطبق علينا أغنية جوليا بطرس «أنا بتنفس حرية»، لأنَّ أكثر ما يعانيه المواطن العربي في أي مجال هو «متلازمة نقص الحرية»، يتنفس قمعاً وتنكيلاً وقهراً وتضييقاً، فلا الكاتب حرٌ إلا بالقدر الذي تسمح به الرقابة الممارسة على الكلمة في بلده، ولا الصحفي إلا في حدود السياسة التحريريَّة للجريدة أو المجلة أو الموقع الإلكتروني الذي يكتب فيه.
وأما المرأة وهنا الوضع الأكثر كارثيَّة، فكثيرات يمنعن من التنفس بجميع أشكاله، رغم الصرخات المتكررة والمطالبات المتزايدة، ما زال وضع النساء في الدرك الأسفل، ومهما حاولنا تجميله سيحتاج لكثير ليرقى إلى مستويات نظيراتهن في دول أخرى.
إنَّ ما ذكر أعلاه غيض من فيض، مما يمكن سرده عن واقع شعوب لن تكفيها فقط صرخة «نريد أنْ نتنفس»، تحتاج إلى صرخات كثيرة حالها كحال المهمشين في الأرض، لعلَّ الحكام المتحكمين يصيخون السمع لو قليلاً. وقبل الختام لا بدّ من التذكير أنّ العنصرية مستشرية في مجتمعاتنا أيضاً، بين الطوائف، بين الغني والفقير، بين أبناء المدن والريف، بين العربي وغير العربي.
جدير بنا أنْ نلتفت إلينا ونتعاطف مع بعضنا البعض ونؤمن بألا يفرق بيننا وبين الآخر لا جنس ولا دين ولا عرق، لعلنا نصل ليوم نتنفس فيه بلاداً أكثر حرية ومساواة.