السياسة الحقانية

الأحد 14 حزيران 2020 158

السياسة الحقانية
أ.د عامر حسن فياض
 

السياسة كيما تكون حقانيَّة، سواء كانت، من منظور العلم، فكراً او نظماً أو علاقات، أو من منظور مهني، تأملات أو ممارسات، او الاثنين معاً، وسواء كانت، من منظور صناعي، صناعة او مخرجات إعلام أو مدارس أو اتجاهات أو تيارات وحركات، وسواء كانت من منظور فني، فناً لإدارة الشأن العام والخاص، 

وسواء كانت من منظور قيمي، أخلاقية مبدئية أو مصلحية نفعيَّة، وسواء كانت من منظور إجرائي، أدواتها ومصادرها القوة أو الثروة أو المعرفة، السياسة، بالتالي، كيما تكون حقانية لا بدَّ أنْ تتربع الوسط الذهبي بين رذيلتين، هما رذيلة الرثاثة، ورذيلة الضعف، حيث الافراط بالسياسة رثاثة والتفريط بها ضعف.
إنَّ السياسة الرثاثة والسياسة الضعف لمسناهما في كل الازمنة والامكنة وما زلنا نلمسهما عبر تاريخ السلطة وحاضرها وبالتأكيد عبر المستقبل ايضاً من دون الانكار ان ما بين تلك السياستين، كان وما زال بعيداً عن لحظة سياسة حقانية، تتدافع بين الرذيلتين ليظل الخير والحق والافضل والمطلوب في السياسة أمنية وتطلعاً ومستقبلاً وتلك هي سنة السياسة الحقانية كما هي سنة الحياة.
وفي كل الاحوال ان السياسة الحقانية ليست تاريخا لنغني لها لحن "ما أحلى الرجوع اليه" ولا هي حاضر لنهتف لها "نحن بخير" بل هي مستقبل ينبغي ان نتطلع إليه وننشده ونعمل من أجله، كما أن السياسة الحقانية صعبة المنال، بيد أنها ليست مستحيلة التحقيق، صحيح ان التقويضات التي تقف في طريق الوصول الى السياسة الحقانية كبيرة كبر الشر والشيطنة والعثرات، كثيرة كثر الأشرار والشياطين على الأرض، لكنَّ الأصح أنّ أحلام الشعوب بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لا تزول ولا تفنى. إنَّ السياسة الحقانية هي سياسة حق، والحق كيما نلمسه أفراداً وشعوباً لا بدَّ أنْ يُضمَّنَ بالدساتير (دسترة الحق)، ولا بدَّ أنْ يُضمَّنَ بالقوانين (قوننة الحق)، ولا بدَّ أنْ يكون موضع تمكين بالمؤسسات (مأسسة الحق) عندها بدسترة الحق لضمانه وبقوننة الحق لتنظيمه وبمأسسة الحق للتمكن من تلمسه، تسود السياسة الحقانية على حساب سياسة الرثاثة وسياسة الضعف. ولما كانت السياسة الحقانية مستقبلاً أكثر مما هي ماضٍ أو حاضر فهذا المستقبل لا يتعكز على تقدم يكتفي بتحقيق ثلاثية الاكتفاء الذاتي النسبي بالغذاء والدواء والمعرفة فحسب، بل يزيد على ذلك شرطاً لازماً يفيد أنَّ هذا الاكتفاء ينبغي أنْ يكون قائماً على العدالة الاجتماعية؛ لأنَّ انعدام العدالة الاجتماعية لا يمنع الظلم ثم الغضب ثم الاحتجاج على سياسة الرثاثة او سياسة الضعف. وبمعنى أدق، فإنَّ غياب العدالة الاجتماعية يجعل الحريات حبراً على ورق، ويجعل الانتخابات ألعاباً بهلوانيَّة، مثلما يجعل الكرامة الإنسانيَّة واقفة عند أحلام ورديَّة، والأغذية مسكونة بطعم المرارة، والأدوية لا تملك روح الترياق، والمعرفة تسمم الجسد، وتقتل الأفكار وتعطب البحث عن
 الحقيقة.