الجبل عندما يتحول إلى خيمة

الأحد 21 حزيران 2020 109

الجبل عندما يتحول إلى خيمة
بغداد/ ذوالفقار يوسف
ظلٌ، امان، حكمة، والكثير من المفردات التي تحاول ان تصف ذلك الكيان، ذلك الانسان الذي تمخضت فيه كل عناصر الحماية الاعجازية، فتارة يكون درعاً من مصاعب الحياة، وتارة اخرى الرفيق الذي سيقطع كل مصائد الزمن عن ابنائه، انه انكيدو في البحث عن عشبة الطمأنينة لولده، وايوب في صبره على مشاق كل المصائب لاجل اطفاله، هنا عندما يطلق الابناء لخيمتهم التهاني...
لا معنى للحياة بدونه
لا يزال ذلك الجبل واقفاً ليصد عواصف الالم، انه المحترف في ابعاد تخبطات الوقت عن اولاده، هذا ما وضحه باسم جبار(30 عاماً) ليقول بفخر: لقد تمكن والدي ان يكون ذلك المقدس الذي يحملنا نحو دنيا لا شقاء فيها، 
وان تكون اكتافه هي العرش الى ذلك الامان، هو قدوتنا وما اجمله من قدوة، ولا يزال المعطي رغم تقدمه بالعمر، ونحن بالمقابل تعلمنا منذ ولادتنا ان نكون المستقبلين دائما لهذا العطاء بلا هوادة، لذا ادعو الله ان يحفظه لنا ويديمه ناصحاً ومعلماً وحكيماً، وان يطيل بعمره، اذ لا معنى للحياة بدونه.
 
أول الحكماء
“ابي اول الحكماء واخرهم” حيدر جاسم (28 عاماً) قالها وقد لمعت عيناه عندما سألناه عن والده كأنها تريد أن تمطر بالدموع.
فقد فارقه قبل عدة سنوات عند وفاته اثر مرض عضال، حيث اردف “ ان مرارة فقدان الاب من جهة وفقدان الحكيم من جهة اخرى، ومنذ ان وعيت على هذه الدنيا كان الراعي والمعلم والموجه لي ولاخوتي نحو مسيرة الحياة المكتظة بالمصاعب، والناصح الحقيقي في ملافاة الخطأ، والمتقن في صنع ابتسامتنا، وها نحن الان نخطو في هذه الدنيا بخطواته لنعلم ابناءنا كل ماعلمنا اياه، فكل عام وهو ذلك الشعاع الذي يملأ حياتنا جمالاً، وحتى ان كان الموت قد اخذه منا، الا ان كلماته مازالت تصدح في اعماقنا والى الابد.
 
صديق لا يفارقنا
العشرينية نور زهير توردت وجناتها، وملأت ابتسامتها الجو عندما طلبنا منها ان تصف لنا والدها 
لتقول: “ انه ليس ابي فقط، انه العشق الابدي، انه الصديق الذي ليس كمثله صديق، فرغم انه قد حُرم من الاولاد الذكور، الا اننا كبناته قد جعلنا هذا الحرمان يتلاشى بعلاقتنا معه، لم يبخل يوماً من الايام علينا باي شيء، وقد كان ولا يزال خير رفيق في هذه الحياة، وكلما دخلت بيتنا ستسمع الضحك والمزاح المستمر فيما بيننا بلا ملل، ولاننا فتيات فلا بد ان تكون حصتنا من التوجيه اصعب مما يلاقيه الفتيان، الا ان طريقة والدي مزجت بالثقة والسماح والرفق، فمن ذلك المحظوظ الان الذي يمتلك الاب والصديق في نفس الشخص، فكل عام وهو بخير، وانا متيقنة تماما بانه سيبقى كما كان لنا منذ 
ولادتنا، الصديق الذي لا يفارق صديقاته”.
 
 “وجودك يجعلني أقوى”
محمد كاظم (34 عاماً) يناجي والده وقوانين الموت والحياة ليروي رواية الاحتياج ويقول “دائم الاشتياق له، ولم ادرك حقيقة انه قد مات بخلوتي المعتادة بعد فقدي له اتدبر لبرهة من الزمن واحدث نفسي، الا يحق لي ان اجالسه لبعض الوقت ليسدي لي نصيحة قد تكون مفتاحاً لتخبطي بهذا المعترك الذي يدعى الحياة ، وهل فقده جسديا لا يُجيز له التواجد روحيا على الاقل ؟ 
فلن اكون كثير الجشع في طلبي مع احتياجي لاحضانه الدافئة، لكن وجود روحه يشعرني بالامان الذي افتقدته بافتقاده، لذلك سمحت لنفسي أن اضع قانونا وعنونته 
(لا يمكن فقد من نُحِب) ومضمونه بالنسبة لي “وجودك يجعلني اقوى “رحمك الله ياوالدي بمقدار ما كنت عليه من الحنان، الذي اثقل كاهل من عاشرك وبقي يتذكره فيتحرق شوقا ليعيشه ولو كان لعدة لحظات بوجودك، كل عام وانت اقرب الى الجنة”.
 
هجرة ولكن!
لقد كانت احوال البلد كفيلة بأن تجعل العديد من الاسر  تجرب العيش في المهجر، ومنها اسرة زينة العزاوي ذات الثلاثين عاماً، حيث قالت والدموع تملأ عينيها: “ لقد تزوجت قبل هجرة ابي وامي الى دولة السويد، الا ان محاولاتي مع زوجي في الهجرة باءت بالفشل، لهذا قد حُرمت من والدي ورؤيته، وهذه المعاناة الاكبر التي اخوضها في الحياة، فلا بديل لحنانه وعطفه، وبالرغم من تواصلنا المستمر عن طريق شبكة الانترنت، الا انه لا يغني عن لقائي به ومعانقته وتقبيله، ولاقول له كم انا محتاجة ليكون بقربي، فهو السند والدرع لكل شظايا الزمن، وان ابارك له ولي في هذا اليوم، وعسى ان اراه في يوم ما لنحتفل معاً بعيد حبنا
الابدي”.