مذكرات القادة!

الأحد 28 حزيران 2020 169

مذكرات القادة!
 جواد علي كسّار
تضعنا الضجّة المثارة عن كتاب بولتن، أمام قصة كتب المذكرات في أميركا، من حيث المحتوى والإطار والدور. فإذا تركنا المحتوى جانباً، فإن المذكرات هي واحدة من ثلاثة عناصر أساسية تنظم علاقة الرئيس مع شعبه بعد أن يغادر البيت الأبيض، وتحفظ له صلته بالشأن العام، وحضوره في قضايا بلده؛ هذه العناصر هي المكتبة الرئاسية، والمذكرات، والمؤسّسة التي تحمل اسمه وتقدّم خدماته لمجتمعه من خلال هذا العنوان.
وإذا كانت المكتبات الرئاسية التي ترتبط بالرئيس وتحمل اسمه بعد مغادرته المنصب، قد نُظمت بقانون يعود إلى عام 1955م، فإن المذكرات باتت عُرفاً من الأعراف التقليدية الثابتة في الحياة السياسية الأميركية، ليس للرؤساء وحدهم بل لكثير من المسؤولين البارزين.
على صعيد مذكرات الرؤساء عشتُ هذه الظاهرة بوعي وتركيز مع الرئيس نيكسون في مذكراته التي صدرت ترجمتها العربية من دمشق عام 1983م، بعنوان: «الحرب الحقيقية»، قبل أن يتحوّل نيكسون إلى كاتب جاد كما قرأناه في كتابه المهمّ «القادة»، والأهمّ: «الفرصة السانحة». ثمّ دامت هذه العلاقة مع مذكرات كارتر وإلى جواره مستشاره البارز للأمن القومي بريجنسكي، وقبله هنري كيسنجر، ومن بعدهم رونالد ريغان في «حياة أميركية» التي قيل انه كتبها بخطّ يده، إذ كان حريصاً على تدوين يومياته في البيت الأبيض يومياً، وكذلك «سيرة إلى الأمام» وهي مذكرات خلفه في الرئاسة جورج بوش الأب.
كما ينبغي لي الإشارة على نحوٍ استثنائي إلى مذكرات سيدتين؛ هما كوندليزا رايس «أسمى مراتب الشرف» الذي قرأته كلمة كلمة، بتأنٍ وتركيز كبير لإيماني انه يمثل لي نافذة، على عقل بوش الابن وإدارته، لأني كنتُ ولا أزال أعتقد أن بوش الابن كان يفكر بعقل رايس أكثر من أي عقل آخر؛ أسجّل هذا بالرغم من أنني قرأتُ مذكرات بوش الابن «قرارات مصيرية» أكثر من مرّة، وأكثرتُ عليها هوامشي وملاحظاتي، لأن فيها أيضاً الكثير من المعلومات، وبواطن إدارة السياسة في البيت البيض. أما مذكرات السيدة الأخرى التي أعنيها، فهي «الخيارات الصعبة» لهيلاري كلينتون.
على ذكر كلينتون وأقصد به «بِل» الرئيس هذه المرّة وليس زوجته هيلاري، فإن مذكراته تجربة قائمة بنفسها، سواء على مستوى المادّة والمعلومة والمضمون، أو في تقنية «تكنيك» الكتابة ومقدّماتها، اضافة إلى حجم انتشارها المدهش العظيم. فمذكرات كلينتون التي صدرت تحت عنوان قصير ومباشر، هو «حياتي» تجمع بين البعدين الإنساني والسياسي، والخاص والعام، وربما كان هذا ما يفسّر بعض أسباب انتشارها الواسع، ففي اليوم الأول من صدورها بيع من الكتاب (400) ألف نسخة، من مجموع (5,1) مليون هو كمية الطبعة الأولى؛ هذه الطبعة التي عاد الناشر ليضيف إليها (725) ألف نسخة جديدة، لترسو المذكرات عند حدود الستة ملايين نسخة، بواقع (35) دولاراً للنسخة الواحدة!
أما النسخة العربية التي كنتُ أترقبها بشوق، فقد أصرّ ناشرها اللبناني على (100) دولار ثمناً للنسخة الواحدة، وقد صادف أني كنتُ في بيروت حين ركبني عناد من الداخل منعني عن شرائها، فربحتُ (75) دولاراً، حينما حصلتُ عليها مصوّرة من شارع المتنبّي، بثمن (25) ألف دينار فقط!
هذه إثارات عجلى عن المذكرات في الحياة الأميركية، ولا يزال هناك الكثير عنها، وعن الدور الذي تلعبه في الحياة السياسية أتركه إلى فرص مستأنفة، لكن قبل الختام بنفسي أن أطلق السؤال المحبوس في صدري: لماذا تنأى الطبقة السياسية في بلدنا عن تدوين مذكراتها وتعزف عن ذلك، بخاصة في الحقبة الجمهورية منذ عام 1958م حتى الآن؟ وما هو التفسير النفسي والاجتماعي وحتى الإناسي الذي يرتبط بهذه الظاهرة؟