100 عام من المجد

الثلاثاء 30 حزيران 2020 112

100 عام من المجد
د . صادق كاظم 
 
عندما اندلعت ثورة العشرين بحادثة اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون في قضاء الرميثة آنذاك لم يكن القادة الانكليز وقتها في العراق يتخيلون بأن حادثة بسيطة كهذه يمكن أن تفجر ثورة شعبية قد قوضت نتائجها وبشكل فعلي جميع المشاريع البريطانية الاستعمارية في العراق والتي كات أخطرها إلحاق العراق بحكومة الهند البريطانية وإخضاعه لسلطتها، مما كان يعني بقاءه كمستعمرة بريطانية لن يعلم أي أحد نهاية مدتها.
جاءت الثورة التي انخرطت فيها مختلف القوى والشرائح السياسية والعشائرية والاجتماعية في العراق لتؤكد ضرورة إنهاء الانتداب البريطاني على العراق والشروع بتأسيس حكم وطني وإقامة برلمان منتخب يضع أسس الحياة النيابية الديمقراطية في العراق ضمن إطار دستوري مكتوب تحدد فيه الحقوق والواجبات لجميع المواطنين العراقيين، إذ كانت هذه المطالب تسبق عصرها بكثير، خصوصا اذا ما قورنت بالظرف الزمني الذي شهد ولادتها ولتؤكد علو الحس الوطني لقيادات الثورة ورموزها التي كانت تتمسك بوحدة العراق واستقلاله الوطني.
واجهت قوات الاحتلال البريطاني خلال تلك الثورة الكثير من المصاعب والهزائم في معارك ملحمية تحدى فيها المقاتلون من أبناء المناطق الثائرة في الفرات الأوسط أسلحة قوات الجيش الامبراطوري البريطاني التي كانت تتسلح بأحدث المعدات والأسلحة وتمتلك تفوقا نوعيا في مختلف الامكانيات التي كانت تحظى بها مقارنة بأسلحة الثوار البسيطة والتقليدية، لكن الثوار البواسل حققوا انتصارات مدوية على قوات الاحتلال البريطانية التي اعترفت بهزائمها ودفعت الصحف البريطانية وقتها الى القول بأن شجاعة العراقيين وبسالتهم قد بدأت بتقليم أنياب الأسد البريطاني في بلاد الرافدين كما نشر في وقتها.
كان لمحدودية القوى والامكانيات، فضلا عن الخسائر البشرية التي تحملتها قوات الثورة، ووصول المزيد من الامدادات الى القوات البريطانية في العراق من القواعد في مصر وايران والهند الأثر في جعل الثورة تتراجع، لكنها لم تتوقف مما أجبر البريطانيين على طلب التفاوض والهدنة مع قوات الثورة وهو ما حصل فعلا في النهاية. 
 حققت الثورة الكثير من المطالب الوطنية العراقية التي قامت الثورة من أجلها، ودفعت ادارة الاحتلال البريطانية وقتها الى مراجعة سياساتها والتي كان من ضمنها إلغاء فكرة (تهنيد العراق)، والقبول بمطلب تأسيس حكم وطني يرأسه ملك عربي ينتخبه العراقيون، فضلا عن تأسيس مجلس نيابي يتولى كتابة الدستور وإقامة انتخابات نيابية تشريعية يجعل الحكم نيابيا مقيدا بسلطات الملك الذي يكون رقيبا على الدستور ومجلس النواب وراعيا لمصالح الشعب. هذه المطالب التي كانت تمثل قمة الرقي السياسي وعلو الوعي السياسي المتميز الذي كانت تحظى به قيادات الثورة وجميع القوى الوطنية السياسية التي أسهمت في اندلاع الثورة والاحتجاج على سلطة الاحتلال البريطاني، إذ كانت هذه القوى الوطنية تصر وتتمسك بتنفيذ هذه المطالب وهي من أجبرت السلطات البريطانية في العراق على القبول بها والعمل على تنفيذها بخطوات متباعدة ولاحقة. 
كتب المؤرخون عن الثورة الكثير من الصفحات التي كانت تزدحم بصور البطولة والتضحية التي قدمها الثوار، حين كانوا يتصدون بأجسادهم لرصاصات الانكليز من أجل أن يفسحوا الطريق أمام المقاتلين الآخرين لاقتحام مواقع الجيش البريطاني والقضاء على جنوده وتدمير أسلحته وخصوصا الثقيلة منها، ونجاحهم ذات مرة في السيطرة على احد المدافع وإغراق إحدى البواخر البريطانية في نهر الفرات بالكامل, فضلا عن عدم هروبهم من ميدان المعركة والإصرار على الثبات في مواقعهم على العكس من القوات البريطانية التي كانت تهرب بمجرد تحقيق الثوار للتماس مع مواقعها، فأسهمت تضحيات هؤلاء الثوار وبطولاتهم بتأسيس الحكم الوطني الحديث والأول في العراق والمنطقة، فضلا عن إفشال كل الخطط الاستعمارية التي كانت تريد أن ترهن مصير العراق بيدها وليس بيد أبنائه.