ثورة العشرين الوطنيَّة وتعديل المسار

الثلاثاء 30 حزيران 2020 118

ثورة العشرين الوطنيَّة  وتعديل المسار
د. سعد العبيدي
 
تقاس مواقف الشعوب ومقادير وطنيتها من مواقف تتخذها في التعامل مع الاحتلال الأجنبي لأراضيها، والعراقيون الذين وقفوا عشائرَ وأفراداً بالضد من الحكم العثماني لفترات طويلة من الزمن، وعارضوا وجوده على أرضهم لمئات السنين، رغم تبرير هذا الوجود بالخلافة الإسلامية، ووقفوا كذلك وبشكل أقوى بالضد من الاحتلال البريطاني خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، ولم يقبلوه احتلالاً بديلاً عن الاحتلال العثماني، وكانت لهم مواقف مسجلة بالضد منذ نزول أول جندي بريطاني على أرض بلادهم، واستمروا كذلك حتى نضجت مواقفهم واتفق كبار قومهم من رؤساء العشائر والمراجع الدينية والوجهاء في توحيد كلمتهم والوقوف بالضد من الاحتلال عملياً في العام ١٩٢٠ التي أعلنوا فيها ثورة استمدت الاسم من المعارك التي بدأت ربانها سنة مقدسة في التاريخ العراقي الحديث. وكانت الشرارة الأولى قد انطلقت من عشائر الفرات الأوسط، وبدأت المعركة من هناك لتتسع الى عموم البلاد، وهي معركة أو مجموعة معارك وعلى الرغم من التفوق في ميزان القوى بين العراقيين المقاتلين وبين الجيش البريطاني الذي كان لصالح البريطانيين من حيث التسليح الذي لا يقارن ببنادق في غالبها تركية عند العراقيين، وبنادق أحدث ورشاشات ومدفعية عند البريطانيين وتدريب وتعبئة تعد حديثة في وقتها وقوة جوية وآليات عسكرية بعضها مدرعة، ومع هذا التفوق شبه الساحق لصالح البريطانيين لكن العراقيين قاتلوا واستمروا بالقتال لفترة أثبتوا خلالها شجاعة فائقة وفرت لهم تفوقاً ميدانياً في عديد من المعارك، قارنوا خلالها بين سلاحهم السائد (مگوار) ومدفعية الخصم بأهزوجتهم التي بقيت ماثلة في عقول الأجيال (الطوب أحسن لو مگياري).
إن المعركة التي دارت وإن لم تحسم نتائجها الميدانية لصالح الثوار بسبب التفوق العسكري، لكن الإرادة الوطنية والشجاعة انتصرت وأجبرت البريطانيين على تغيير الكثير من خططهم والاستعجال في تكوين الحكم الوطني والتعامل معه بجدية عززت من وجود العراق دولة حديثة بين دول شرعت وإياها على خطوط بداية متساوية، لو لم تحرف في الخمسين سنة الماضية مسيرتها لكن ذاك الوجود الممتد زخمه من تلك الثورة الشعبية وجوداً لدولة تضاهي بل تتفوق على عموم الدول التي بدأت معها على خط شروع واحد رسمته نتائج الحرب العالمية الأولى 
ومعاهداتها.إنها الثورة التي تمر ذكراها في هذه الأيام، ولكي نستفيد من دروس تركتها وخلفها الأجداد رجالات الثورة لا بد وأن نعود الى دوافع أولئك الأجداد ورغبتهم في إقامة حكم وطني بعيدا عن تدخل الأجنبي، والى مقدار تعاونهم عراقيين من جميع العشائر الأصيلة والمذاهب والأديان لإدامة
 الثورة.
لقد أثبت الأجداد بثورتهم وطنية عالية لو استلهمت من أحفادهم الموجودين في هذا الزمن لأمكن تعديل المسار وإعادة بناء الدولة، دولة مدنية، متحضرة تتلاءم والعصر يتمتع فيها الجميع بالمساواة في الحقوق والواجبات، كما أرادها وحلم بها 
الأجداد.