أشياء تقال عـن الثقافة العراقيَّة

الأربعاء 01 تموز 2020 96

أشياء تقال عـن الثقافة العراقيَّة
 
يوسف محسن 
 
 
كتب مرة ليو شتراوس في اختتام حديث له وهو ينتقد العلم السياسي بكونه (يعبث في الوقت الذي تحترق فيه روما. بيد أنه معذور بحقيقتين: الأولى، أنه لا يعلم أنه يعبث، والثانية أنه لا يعلم أنّ روما تحترق) . وهذا حال الثقافة العراقية. إنها تعبث ولا تعلم أن روما تحترق.
 
بؤس الحقل الثقافي
تحليل نظام الحقل الثقافي في العراق والذي يشكل الحاضن المجتمعي للمثقفين والمفكرين والباحثين العراقيين تتم بعملية ربط الحقل الاقتصادي والسياسي وتشريح التيارات الفكرية والثقافية والسرديات وطبيعة تكوينات السلطة لكي نصل الى البنى الذهنية التي تتحكم بـ انتاج الثقافات التداولية، إذ أن الحقل الثقافي لا يشكل (مفارقة تاريخية) لتكوينات المجتمع العراقي، إنه متساوق مع البنيات التقليدية (مجتمع قهري لم تتشكل أسسه الأولية، مجتمع يفتقد للتنظيم العقلاني، بنيته هشة يؤسس ذاته وبشكل دائم على الفوضى، بنيات تابوية تحتكم الى القيم الموروثة (الطائفية، العشائرية، الخرافية) وهيمنة الثقافات الرثة والأنساق الابوية في كل الحقول الاقتصاد والسياسة والحقول الفكرية، نتيجة تدهور الشروط الاجتماعية للحياة الحيوية وانهيار عناصر المدينة والتحضر داخل هذه التركيبة الالتباسية الغامضة للمجتمع العراقي. 
وقد يبدو التساؤل مريبا، لماذا لم يظهروا مشروعاً أو نسقاً ثقافياً أو سياسياً للخروج من هذه الأزمات الدورية للمجتمع العراقي؟ قد نجد الإجابة بشأن هذه الأسئلة ضمن سيرورات تكوين الحقل الثقافي والمرتبطة بشكل ما بأزمة تكوين البنيات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وهشاشة الدولة العراقية، وعدم تبلور الطبقات الاجتماعية، والبنى المؤسساتية.
 
مسارات ما بعد الانهيار
بعد انهيار الدولة الشمولية حدث انفراج نسبي وتنازل الدولة عن الهيمنة على المنظمات الثقافية، ولكن لم يعط للمثقفين والمفكرين والباحثين دور كامل أو شريك سياسي، فضلا عن ذلك تماهي بعض المثقفين العراقيين مع الأيديولوجيات القومية والطائفية والإثنية والتركيبات الاجتماعية السفلى من المجتمع العراقي، وهو انعكاس للخطابات السياسية التي تشكل الفضاء العام للمجتمع العراقي في تلك اللحظة التاريخية ما بعد العام 2003، لذا فإن الحقل الثقافي الذي هيمن على النسق المجتمعي العراقي تكون من مزيج فسيفسائي انتاج مجتمع يعاني أزمة التكوين والتشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات فكرية تتراوح بين التعايش والنزاع، فقد ظهر المجتمع العراقي فاقدا للمؤسسات والروابط الحديثة، فاقدا للثقافة الحضرية – العلمية منغمساً في شبكة الروابط القبلية والأسرية والدينية الأصولية مشبعاً بقيم العنف، وقد أخذت المؤسسات التقليدية تقوم مقام المجتمع المدني. 
وتمت إعادة هيكلة المجتمع عبر آليات الهوية والأصالة والتفرد في المخيلة الأيديولوجية والتمركز حول الذات الجماعية. وسيادة الاخلاقيات العشائرية وبروز الأنساق الما – الدولة، وظهور حزمة من المحرمات الثقافية والسياسية والاقتصادية داخل النسق العراقي وضعف الصراعات الايديولوجية والثقافية والفكرية وتشتت التيارات التنويرية والتخلف المعرفي وانهيار الطبقة الوسطى العراقيَّة.
ولم تجر حتى الآن عملية تدوين أو جرد حساب أولي للتاريخ الحقيقي لهذه الحقل الثقافي، التي هي عملية مزدوجة تأخذ مسارين: المسار الأول: قراءة البنيات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية للمجتمع العراقي، والمسار الثاني: نقد الأوهام، والأساطير التي قامت فئة المثقفين بصناعتها، وأدت إلى تزوير واختلاق وتحريف في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي للمكونات العراقية التي لا يمكن تبريرها طوال خمس عقود وعلى المدى القصير في الحكايات التاريخية والجغرافية والسياسية والشعرية والقصصية والروائية والمسرحية والفكرية والاجتماعية ونقد الجذور النظرية والمعرفية؛ لهذا فالكتابات ذات الأبعاد الفاشية التي تم إنتاجها داخل تمثيلات النظام الثقافي العراقي. الثقافة العراقية التي نتقاسمها وإن بدرجات متفاوتة، تسهم في تفريخ صور زائفة من النسيج الثقافي نفسه. إذن ليس الإشكال ثقافياً فقط، بل هو إشكال هوياتي، معرفي، تأسيسي ينبني عليه كل شيء.
 
خطاب ثقافي ميتافيزيقي
الحقل الثقافي العراقي أنتج خطابا يمثل أبرز التعبيرات عن التناقضات والإخفاقات والفشل للدولة الوطنية العراقية، وقد شكل هذا الخطاب الثقافي الحاضن المؤسساتي للثقافات العتيقة، وأيديولوجية الاغتراب المركبة، والتمركزات الطائفية يؤسس ذاته على بنى صلبة تقليدية وهو إنتاج أزمة تاريخية للدولة والمجتمع بالارتباط مع أسئلة الذوات المجتمعية عبر النسق الثقافي وتتعلق بالبنى الاخلاقية ورؤية للعالم المادي، آليات البقاء، وتحديدات 
الهوية. 
فضلا عن ذلك يتميز الخطاب الثقافي العراقي بجهاز مفاهيمي مألوف وغير مهجن ولغته تتسم بالبديهات والاستخلاص اللاعقلانية وبالواحدية، وهو نتاج تشاكل الخطابات الشمولية مع الخطابات السلفية، فهو خطاب ميتافيزيقي ينتزع إلى المركزة والكليانية وتقويض التنوع ونظام للهيمنة الأيديولوجية، يمارس العودة المستمرة للمخزونات التاريخية الضخمة في الاستيهامات الذاتية والشعور الدائم بالتفوق وأمومة الثقافة العراقية، والأرض الأسطورة للحضارات الكونية، يفتقد للابعاد المستقبلية، تكمن خلف هذا الخطاب عقائد وشرعنة، وأساطير، وحكايات خرافية، وشياطين، ومجتمع يعاني البؤس التاريخي.
 
انتاج التفكير النقدي
يقول ماكس هوركهايمر (إن النظرية التي تؤسس للتفكير النقدي ليست تلك التي تستند إلى حقائق جاهزة في عملها، بل هي التي تسعى إلى رفع الحجاب عن المخفي والمتواري). وهنا تكمن مهمة انتاج الحقل الثقافي النقدي الحديث للحفر والتوسع في مجال الحقل الثقافي المتعدد ليشمل الايديولوجيات السحرية والأوهام والأساطير المهيمنة التي تكرس العمى وإعادة قراءة المجتمع العراقي على ضوء متغيرات الواقع الجديد. 
بعيدا عن المقاربات الشمولية، وتفكيك حقل السياسات الايديولوجيا الكبرى والانتقال الى حقل التفكير النسبي. مع فحص الانموذج الثقافي التداولي والخروج بأنموذج آخر يتكيف مع الدولة التعددية. والخروج من نسق (أمومة الثقافة العراقية) التي تعد إحدى الإشكاليات التي تعيق اندماجنا بالحداثة الكونية. فضلا عن ذلك تجديد الآليات النقدية، كمحاولة لإعادة تشكيل العقل العراقي وفق متطلبات الواقع المعاصر وإعادة التفكير في مفهوم العقل النقدي بعيدا عن التصورات والمفاهيم المتشكلة بصورة مسبقة في المفهوم التقليدي ومساءلة البداهات والمسلمات، وإخراج الأنساق المغلقة وإعادة النظر في التفكير ومناهجه وأسسه ومفاهيمه واستدماج عناصر معرفية عديدة، لتكتمل معالم التشخيص، ومن هنا اعتبر النقد (إماطة اللثام عما هو متوارٍ ومتحجب) من أجل ابتكار أشكال جديدة من الثقافات في العراق بعد انهيار السرديات الكبرى وإخراج التحليل والتفسير من دائرة الجمود إلى سعة الانفتاح على قطاعات معرفية وعلمية وسياسية متعددة وواسعة بحجم الكون للخروج من العبث.