موت الكلمات لا موت المؤلف

الأربعاء 01 تموز 2020 236

موت الكلمات لا موت المؤلف
محمد طاهر العصفور
 

إنَّ أول بحث ينفق فيه اللغوي جهدا مضنيا هو البحث في الدلالة، إذ ينشغل اللغويون في التنقيب وراء ذلك الأصل، ويسوقهم هذا الجهد إلى التفكير في أصل اللغات، لكن تأخر اللغة المكتوبة عن اللغة المنطوقة جعل ذلك البحث عسيرا، بل غير ممكن.

واذا كان اللغويون قد أدركوا فيما بعد أن البحث في أصل اللغات بحث عبثي ولا طائل من ورائه، فإنهم ظلوا يبحثون عن دلالات الكلمة المفردة المتراكمة، لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي قد فطن مبكرا إلى ظاهرة المهمل والمستعمل، وهي أول إشارة يشير إليها لغوي في الدلالة على موت الكلمات.
وإذا كان من حقيقة لغوية تصدق على اللغة فإن التناسخ ظاهرة لغوية تشبه عقيدة التناسخ عند البراهمة، فالكلمات تموت وتستحيل إلى كلمات مختلفة، ويبدأ موت اللغة من الابتذال وكثرة الاستخدام إلى درجة استهلاك المعنى الذي سيؤول إلى مآلات أخرى، "فالقدس عروس عروبتكم"، و"يا سالم لا تصالح"، "والصيف ضيعت اللبن"، "وتعالي أقاسمك الهموم تعالي"، "واختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية"، وكل بيت من الشعر وكل مقولة شاعت كتلك المقولات كانت تمثل شيئا، وأضحت في مكان آخر أمثالا سائرة أو شواهد تعليمية لكل منها نكهة، "القدس عروس عروبتكم" من الأمة إلى الجماعة إلى الأسرة إلى الفرد، وهكذا "يا سالم لا تصالح"، و"الصيف ضيعت اللبن" من المثل إلى التعليم، وقبلهما معنى من معاني توصيف الحال أو الحسرة، وهكذا ما يزال شاهد قطر الندى، ويتضمن الشاهد النحوي والصرفي في جواب الطلب وفي فتح لام (تعالي) الأولى وكسرها في الثانية لمناسبة حرف 
الروي.
كما أن شاهد "القطر" صار يمثل حال المواساة بين طرفين يشتركان في أمر ما، ويمثل في مكان آخر استعاضة رمزية في أحيان كثيرة، لكن موت هذه الكلمات يؤدي - كما ذكرنا - إلى تناسخ وليس إلى موت مؤبد، وهل هذا الموت يعني موت المؤلف أم يعني تحلل القصيدة وتشظيها إلى نصوص مستحيلة ذكرتها في مقالات سابقة؟.
 إن موت المؤلف يعني موت النص وليس إحياءه، لكن هذا الموت يؤدي إلى انعدام ماهيته الأولى ونشوء ماهيات أخرى تتفرع منها نصوص دلت عليها شواهد صدرنا بها الحديث عن استحالة الكلمات. وإذا كان بارت وفوكو قد مارسا موت المؤلف وكل منهما سار بالمفهوم وفق نظرته إلى الأشياء، فالسؤال الذي يلح علينا: هل كان لخلفية بارت اللغوية النقدية تكريس لظاهرة تكثير الحقائق اللغوية وتكثيفها ومحاولة إنماء النصوص؟ أم أن فلسفة فوكو القائمة على نقد تفشي ممارسة السلطة في توجيه النصوص النابع من فلسفته في التوجس من اختطاف السلطة لدور الكاتب أو المثقف؟
وأيا كان سبب موت الكاتب أو المؤلف عند كليهما، فإن محاولة التكثيف عند بارت وخلق فهم جديد للنص أو محاولة البحث عن مكافحة سلطة القراءة التكوينية التي نشعر بها همسا عند ميشال فوكو سيؤديان بالنص إلى مستوى من الدمار الشامل الذي يقضي على محايثة ميشال فوكو نفسه، ويقضي على فكرة التعاطف مع النص التي يدعو لها النقد الأدبي.
وأمام ظاهرة التكون والتكوين أو في ظلهما ستموت كلمات وتحيا كلمات، وستختطف نصوص وتمنح الحياة إلى نصوص أخرى، لكن ثقافة الإقصاء التي سيمارسها المتلقي عاملا على مصادرة مجاز الكاتب سيعني نسف أحد أركان النص الثلاثة (المرسل الرسالة المتلقي)، بل سيكون المتلقي إذا شئنا الدقة - هو الأركان الثلاثة، فالسلطة تكون دلالات إلى الأشياء تخالف حقيقتها، سواء أكانت سلطة الحكم أم سلطة القارئ أم سلطة الاتجاه أم الفلسفة المعينة.
إن مسلك الحياة الذي تسلكه الكلمات على مستوى الجماعة هو التكون، والتكون هو مجموعة من الوقائع اللغوية التي تؤدي إلى نشوء ظاهرة نستطيع أن نطلق عليها بين معقوفتين (خطاب الجماعة)، مثل تكريس لفظ الجائحة المهمل، والذي عادت إليه الحياة من جراء تفشي وباء (كورونا) أو بعض الاصطلاحات التي تجد طريقها من ممارسات خاصة وعامة كألفاظ الشطار في السطو أو الباعة في السوق.
وإن كنت أتجاوز عن روافد كثيرة فإنني ليس من الممكن أن أتجاوز لغة الشعر، فالشعر خلق آخر؛ فركنا الشاعر الاستعارة والموسيقى، أو هما أعظم ركنين في رجل أو امرأة حتى يستحق وسام شاعر، إن مهمة الشاعر هي خلق خطاب آخر، لغة أخرى، والسؤال: أكان المتنبي لو تشبه بامرئ القيس أو طرفة أو زهير؟ أو أن أبا العلاء المعري عاشق المتنبي أعاد المتنبي من جديد؟
فالمعري وعلى الرغم من دهشته بشعر المتنبي، وأطلق على شرح دیوانه له (معجز أحمد)، إلا أنه كان شاعرا آخر، وإذا وازنا بين الجواهري وشوقي وعلى رغم غزارة إنتاج شوقي فإن شعر الجواهري أبقى في النفوس وأكثر وقعا عند ذوي الاختصاص، وقد يتخيل البعض أن الجواهري أعاد شعر العرب من جديد، وجاء محافظا كلاسيكيا، غير أننا إذا أردنا الدقة فإن الجواهري أعاد صياغة الشعر العربي من جديد، إنه لغة جديدة من الإبداع، وليس كما ذهب شوقي وحافظ؛ لذا استحق أن يوصف بأنه (شاعر العرب الأكبر).
فالشاعر هو نسيج وحده، ويمثل خطابا جديدا ومعجما شعريا، والدهشة التي يحدثها الشاعر من جراء صياغة الرؤية الجديدة، فموت المؤلف يعني القضاء على العلاقة الجديدة الناشئة بين الدال والمدلول، وإذا تركنا تلك العلاقة الجديدة فإنه ليس بوسع الشاعر أن يستخدم استعارة مطروقة إلى حد الابتذال، فالاستعارة المستهلكة تفقد فاعليتها على الدهشة؛ لأنها صارت مألوفة التوقع مكرورة، حتى أصبحت عادة شعرية يطرقها جمهور من الشعراء، الذين لا يجدون سبيلا إلى تمزيق الصورة والقفز على أسوار التقليد.
إن الذين أرادوا ممارسة فكرة موت المؤلف إنما أرادوا بذلك تكثيف الدلالة، لكن تكثيف الدلالة سيجعل الخطاب خطابا مضطربا مفكك الإحالات، فما يميز الخطاب سواء أكان شعرا أم نثرا هو الأسلوب، والحداثة أرادت أن تحل المتلقي مكان المبدع، لقد كانت البلاغة القديمة أكثر وفاء للمبدع، وتعاطفت مع المتلقي في شكل لافت، فنادت بمطابقة الكلام لمقتضى الحال وبلاغة المقام، في الوقت الذي كانت فيه الحداثة تختطف النص اختطافا، وتغترب عن المبدع، وفي اغترابها عن المبدع اغتراب عن المتلقي، فليس وظيفة المتلقي أن يحل مكان المبدع؛ لأن المعنى في قلب الشاعر - كما قيل قديما - وهذا الإيغال الفلسفي في قراءة النصوص على نحو محض سیُحيل النصوص إلى نظريات يؤمن بها الناقد أو المتلقي.
ولا شك أن أفكار موت المؤلف جاءت رد فعل عنيف لما ساد في فضاء الدراسات اللغوية والأدبية من هجران للنص، ومحاولات كثيفة في دراسة المبدع على المستوى النفسي والاجتماعي؛ لذلك غلا من قال بموت المؤلف غلوا شديدا، حتى أصبح النص مساحة لتطبيقات جافة وغير ممتعة للمتلقي، الذي يجد ذاته في تذوق النصوص واستجلاء 
جمالیاتها.