ابتسامات محجوبة ووجوه متشابهة

الأربعاء 01 تموز 2020 232

ابتسامات محجوبة  ووجوه متشابهة
 
ميادة سفر
 
 
ألغت الكمامة نصف وجوهنا، وحددتها بعيون ناظرة من وراء حجب، وهذا يعد أوسع تغيير شكلي عرفته البشرية عبر تاريخها، فحتى أثناء الحربين العالميتين لم تستعمل الأقنعة بالكم الذي استعملت فيه الكمامة في العام
2020.
وإذا كان الأمر من وجهة النظر الوقائيَّة يعدُّ وسيلة مفروضة لمواجهة انتشار وباء كورونا، فإنَّ للإنسان رأياً مخالفاً، فهي حجب للوجه، وانقطاع عن التعبير الأهم في الحياة ألا وهو الابتسامة.
تلك إحدى التغييرات التي فرضها علينا «كورونا»، اضطررنا أنْ نغطى الشفاه التي تعبر عن المشاعر أياً كانت، فرح وحزن وغضب واستهجان أحياناً وحتى قرف، لكن أكثر ما افتقده البشر الذي عاصروا اليوم هذا الوباء هو إخفاء الابتسامة التي ربما هم بأمس الحاجة إليها في هذا الوقت العامر بالتوتر والخوف
والرعب.
لطالما كانت «الكمامة» خارج اهتمام البشر، فاقتصر استخدامها على الطواقم الطبيَّة وفي المشافي تحديداً، لكنها اليوم أصبحت جزءاً ضرورياً من حياتنا، ومرافقة لنا في تحركاتنا وتنقلاتنا كواحدة من الأشياء الضروريَّة، تغطي مساحة كبيرة من وجوهنا، حتى لتبدو كحاجز بيننا وبين الآخرين، أخفت معالم وجوهنا، وخبأت ضحكاتنا وابتساماتنا.
ولأنَّ الأمر قد يطول كان لا بدّ من التدخل لإضفاء بعضٍ من الإيجابية والتغيير على الأشخاص، والتخفيف نوعاً ما من حدة التوتر والخوف في حياتنا اليوميَّة الذي ترافق مع انتشار الوباء.
اتجهت الأنظار إلى تحسين الكمامة من ناحية الفن واللون، حتى تم ابتكار كمامات يمكن من خلالها إظهار الابتسامة وتعابير الوجه، وهي ما عرف بـ «سمايلينع ماسك» والتي انتجتها شركة بلجيكية، فضلاً عن قيام عددٍ من ماركات الأزياء العالمية مثل «غوتشي» و»سان لوران» وغيرهما بتصنيع كمامات تحاكي الموضة، وتتناسب وتتناسق من الألوان الدارجة، لتبقى السيدات محافظات على أناقتهن وجمالهن ولو من خلف قناع، ولم يغب الرجل عن تلك الأجواء فكان للعمل قناعه وللحياة اليومية والرياضة القناع الذي يناسب الملابس التي يرتديها.
ليس هذا وحسب حول هذا المستجد على حياتنا، فمع تضارب الآراء حول جدوى «الكمامة» من عدمه، وتواتر الأخبار المؤكدة على ضرورتها، عزف البعض عن ارتدائها، بينما رضي البعض الآخر بالأمر الواقع انطلاقاً من أنّ «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، وبين من وجد فيها عقاباً من الله على أولئك القوم الذين أجبروا الفتيات على خلع النقاب، فأتاهم من حيث لا يدرون وباءٌ أجبرهم على تغطية وجوهم، الأمر الذي أثار سخطاً من بداية ظهور الفيروس، لكنّ هذه الأصوات ما لبثت أنْ خفتت تلقائياً، فالوقت لا يتسع لتصفية حسابات قديمة، في ظل وباء قد يودي بحياة الملايين من البشر.
أياّ كان الجدال بشأن الكمامة رفضاً أم قبولاً، شماتة وعقاباً أم لا، فإنَّ الثابت الأكيد أنها جعلت البشر جميعهم متشابهين، كل الوجوه متشابهة، كل الابتسامات محجوبة، وحدها العيون بقيت تمارس سلطتها.