خرافةُ الأمن الذاتيّ

الخميس 02 تموز 2020 124

خرافةُ الأمن الذاتيّ
محمد صابر عبيد
تحظى عبارة "الأمن الذاتيّ" بأهميّة قصوى لدى الإنسان بوصفها سياج الحماية الذي تنعمُ به الذات البشريّة وتحافظ على خصوصياتها البالغة الأهميّة، فما من إنسان يحيا على وجه البسيطة لا يعنى أكبر العناية بأمنه الذاتيّ لتكون خصوصياته ملكاً شخصياً لا ينازعه فيها أحد.
 وأيّ اختراق محتمَل لهذه الخصوصيات قد يعرّض صاحبها للهلاك على نحو أو آخر، لأنّها تكون عادةً مواطن ضعف إذا ما حاول أحد استغلالها للإيقاع بصاحبها حين يتمكّن من إمساكه بقّوة من اليد التي تؤذيه كما يقول المثل الشعبيّ، ولا مناص بعد ذلك من الوقوع في المحظور والتعرّض لما لا تُحمدُ عُقباه من كوارث ومصائب يمكن أن تتعرّض لها الذات المكشوفة.
كان الإنسان قبل الانفجار العلميّ والتقانيّ الذي حصل في السنوات الأخيرة قابلاً لحماية نفسه بسهولة، يكفيه أن يضع سوراً جيداً حول بيته كي يحصل على استقلاليّة كاملة يستحيل اختراقها مهما حاول اللصوص والسرّاق ذلك، يكفيه أن يُبعِدَ نظر الآخرين ويكفّ سمعَهم عن محيطه ليستأنسَ بخصوصياته وذاتيته وأسراره كما يشاء، كانت المسافة المكانيّة هي الفاصل المثاليّ بين أمن الأنا والآخر تؤدّي وظيفتها بكفاءة واقتدار، وشيئاً فشيئاً بدأتْ هذه المسافة تقصرُ مهما كانت طويلة، وتخضع لتدخّلات خارجيّة تُضعِف كفاءة المنع وقدرة الحجب وتسمح بتعريض الخصوصيّات للكشف والفضح والشيوع، فثّمة ما هو قادر على إلغاء المسافات بما يمتلكه من أدوات تقانيّة بارعة بوسعها اختراق المظلم والغامض والمحجوب والمستتر، على النحو الذي أصبح فيه الأمن الذاتيّ في أيّ مكان في العالم مجرّد خرافة وشيء من الماضي السعيد.
أسهم التطوّر المجنون الهائل في التقانات الحديثة لوسائل الاتصال والميديا والعلوم الحديثة في اختراق الأرض والسماء، وأصبحت كلّ الأسرار التي كانت خافية ومعرفتها في حكم المستحيل متاحة وميسورة للقاصي والداني بلا حدود، ولم يعد الإنسان يأمن على شيء بوسعه أن يعدّه من خصوصياته ومفرداته الذاتيّة التي لا يمكن أن يطّلع عليها أحد، صار الشكل الخارجيّ للإنسان مكشوفاً تماماً بكاميرات ترصد حركته أنّى توجه وأنّى ذهب، مثلما شكله الداخليّ مكشوف حين يتمّ اختراق صفحاته الإلكترونية أو هاتفه الشخصيّ وسحب كلّ صوره ومعلوماته، فتجرّد من أسراره وخصوصياته وتحرّر من عبء الذاتيّة الفردانيّة بحيث أبيحت الأشياء كلّها ولم تعد هناك عزلة، إذ كانت العزلة أفضل المساحات الشخصيّة التي يخلد إليها الفنانون والأدباء والمفكرون والعلماء لإنجاز ما لا يمكن إنجازه في الضجيج، وبدأت أعظم الإنجازات تولد في أعماق الثرثرة والضجيج بلا عزلة توفّر الأمان الذاتيّ العميم لمنجز أفضل 
وأهدأ.
أنعش هذا التطور الجنونيّ موضوع الفضائح وهي تلتمع بين حين وآخر هنا أو هناك لتحكي قصة فقدان الخصوصيّة وضياع الأمن الذاتيّ، وصار هذا الموضوع مادّة إعلاميّة وسياسيّة فائقة الحضور والتأثير على مستوى التسقيط والتسقيط المضادّ، إذ لا يوجد الآن نجم كبير في سماء الفنّ العالميّ، أو سياسي كبير يبحث عن فوز جديد في انتخابات بلده، إلا وطالته هذه الفضائح عن طريق اختراق أسراره وخصوصياته وتحويلها إلى مادة إعلاميّة بملايين الدولارات، ولم يعد أحد بمنأى عن وحشية هذا الاختراق حتى الناس العاديين غير النجوم وغير السياسيين، وكلّما تمكّنت الشركات الكبرى المهيمنة على الفضاء الاتصاليّ الجديد في العالم من محاولة السيطرة على وسائل الاختراق، ذهبت شركات أخرى إلى ابتكار وسائل جديدة أكثر فعاليّة وتأثيراً من سابقتها، في سباق محموم لم يسبق له مثيل حوّل الإنسان إلى كائنٍ عارٍ حتى من ورقة 
التوت.
أينما تولّي وجهك ثمة كاميرا تلتقط حركتك، أمام البيت، في السوق، في الماركيت، في محطات القطارات، في المطارات، في الفنادق، في الشارع، ولم يتبقّ سوى اختراع كاميرات فضائيّة تصوّر أحلام الإنسان وترصد عواطفه ومشاعره وتطلعاته، صار الإنسان محاصراً من الاتجاهات كلّها بحيث لم يعد قادراً على التحكّم بأبسط شيء يتعلّق به، فهو مرصود أينما ذهب وأينما حلّ، في متناوله هاتف ذكيّ يحمل إليه رسائل واتصالات مستمرّة لا تدعه يتفرّغ لنفسه لحظة واحدة، ومع كلّ ما يقدّمه هذا الجهاز العجيب من خدمات لا حصر لها فهو في الوقت نفسه عبء كبير على صاحبه في مجالات كثيرة، إذ ما يلبث أن يتطلّع فيه بين لحظة وأخرى كي يتواصل فيه على تطبيق ما من تطبيقات الميديا، أو يتواصل فيه مع الآخرين صوتاً وصورةً مهما بعدت المسافات بينه وبين من يرغب التواصل معه، فهو يحطّم الحدود الزمنية والمكانية على نحو هائل.
 بالمعنى الذي يكون هو أسير الجهاز أكثر من أن يكون الجهاز خادماً له، فلا يستطيع أن يستغني عنه لحظات أو دقائق، على أن يوفّر له خدمة الشحن المستمرّ كي يكون فعالاً بلا توقّف ولا هدنة ولا استراحة، ويحميه بغلاف سميك (cover) من السقوط أو التعرّض لأيّ طارئ خارجيّ يمكن أن يعدمه ويوقفه عن العمل كي يصبح جثّة هامدة، فهو أغلى من الولد ومن الحفيد ومن كلّ شيء لأنّه يقدّم خدمات ظاهرة وباطنة لا يقدّمها أغلى الغوالي في المحيط الاجتماعيّ، لذا يحظى بعناية فائقة تفوق عناية صاحبه بذاته وقد يفرّط –إذا لزم الأمر- بأيّ غالٍ 
عداه.
إنّه ألصق شيء بصاحبه من الأشياء الأخرى المرتبطة به كاملةً، يقضي معه أكثر وقته، في البيت، في العمل، في الشارع، في النزهة، وقد لا يفارقه إلا ساعات النوم التي قلّتْ كثيراً عن ذي قبل، وسرعان ما تنقضي كي يستيقظ وهو يرسل يديه كي تبحث عن هاتفه حتى قبل أن يفتح عينيه، وذلك لفرط الهيمنة التي كرّسها على فضائه الداخليّ والخارجيّ وقد جمع كلّ أسراره وقضاياه ومستقبله داخل شاشته الصغيرة، ومع أغلب ما يضعه من مصدّات على شكل أرقام سريّة لا يمكن فتح الجهاز من دون معرفتها، فإنّ ثمّة برامج مضادّة دائماً تعمل على فتح المغاليق وكشف الأسرار وافتضاح المستور وإشاعته بين الملأ، بما يعرّض الأمن الذاتيّ الشخصيّ لخطر قائم وداهم في أيّة لحظة لاستحالة توفير الحماية المطلقة أبداً.