القيمة القانونية للإخبار عن الجرائم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي

الخميس 02 تموز 2020 223

القيمة القانونية للإخبار عن الجرائم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي
القاضي ناصر عمران
لم يدر في خلد الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد وهو يترنم بأبياته التي يقول فيها: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود... ويأتيك بالأخبار من لم تبع له​ بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد.. ان الأيام ستبدي بأخبارها بمثل هذا الكم الهائل والتي تردنا على اي وضع وبأي كيفية، ومن أشخاص لا نعرفهم بالمرة ولم نلتقِ بهم البتة.
وكل ذلك بفضل التطور التقني لأجهزة الاتصالات ووسائل الاعلام التي خلقت فضاءً واسعا أمام الجمهور بمختلف فئاته للتعبير عن رأيه وطرح المواضيع التي يشاء من دون عائق مكاني او ظرف زماني، وكل ذلك ضمن حرية التعبير التي كفلتها الدساتير والقوانين الدولية والداخلية وصار العالم قرية صغيرة، وبالتأكيد ان ضمان حق التعبير عن الرأي ليس مطلقاً بل هو مقيد بمساحته الموضوعية التي لا تتجاوز حقوق وحريات الآخرين، فإن تجاوزت ذلك خرجت من السلوك المباح الى السلوك المجرم الذي يضع صاحبه بمواجهة القضاء، والحقيقة أن ما يرشح عن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وما يتم عرضه في القنوات الفضائية من التصريحات الإعلامية للمسؤولين الحكوميين او الموظفين او المكلفين بخدمة عامة وأحيانا من أطراف عاديين لا يحملون أي صفة والآراء والأقوال التي يدلي بها الأشخاص او المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تشير في مضامينها ومواضيعها الإخبار عن جرائم جنائية كبيرة تتعلق بالمصلحة العامة والمال العام والفساد الإداري والمالي، واحيانا قضايا الإرهاب والأمن الوطني، ولم ينتهِ الأمر بذلك بل ان الفضائيات الاعلامية تخرج وبلقاء على العلن ومع مسؤولين حكوميين وتفتح ملفات فساد لوزارات ودوائر حكومية وبالعنوان ذاته، وتقوم بعرض وثائق مسربة من الوزارات والدوائر الحكومية وتخصص للموضوع حلقات متعددة لاطلاع الرأي العام عليها والوقوف على حقيقة ما يجري في الدوائر الحكومية، وهو الأمر الذي يصنع رأيا عاما بمخيال المواطن عما يجري في الدوائر والمؤسسات الحكومية، وبمتابعة للموضوع تجد بأن ما يتحدث به الإعلامي والمسؤول يشير الى جرائم كبيرة منها فساد مالي وإداري واستغلال وظيفي وجرائم رشوة، ويتساءل من خلالها المشاهد او المتلقي عن دور الأجهزة الرقابية والقضائية من هكذا جرائم، وقبلها ما القيمة القانونية لهذه المعلومات والوثائق والتصريحات 
والاقوال..؟.
يشير قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل وهو القانون المختص بالإجراءات القضائية الجزائية الى كيفية تحريك الدعوى الجزائية في المادة (1) على ان الدعوى تحرك بشكوى شفوية او تحريرية تقدم الى قاضي التحقيق او المحقق أو اي مسؤول في مركز الشرطة او اي من أعضاء الضبط القضائي من المتضرر من الجريمة او من يقوم مقامه قانونا او اي شخص علم بوقوعها أو بإخبار يقدم الى أي منهم من الادعاء العام، ويجوز تقديم الشكوى في حالة الجرم المشهود الى من يكون حاضراً من ضباط الشرطة ومفوضيها. وتقديم الشكوى يقصد به البدء بتحريكها وتسييرها الى الجهة المختصة ومضمونها طلب اتخاذ الاجراءات القانونية ضد فاعل الجريمة، وتكون الشكوى تحريرية ويقصد بها الحقين الجزائي والمدني المتمثلين بالتعويض عن الضرر الذي لحق المشتكي، وقد تكون شفوية ويعني اقتصار الشكوى على الحق الجزائي وهو طلب اتخاذ الاجراءات القانونية وإنزال العقوبة المناسبة بحق الجاني مالم يصرح المشتكي بغير ذلك.
أما الإخبار فيعني: وقوع الإخبار من شخص لا علاقة له بالجريمة ويُسمى مخبر، ويصح لكل فرد من أفراد الهيئة الاجتماعية أن يكون مشتكياً بصفة فرد من أفراد المجتمع والجريمة أحقت ضررا به، وقد أعطى المشرع العراقي الحق لجهات أخرى في تحريك الدعوى الجزائية كجهة الإدارة كما ورد في بعض القوانين كقانون الموارد المائية والكمارك وقانون التجارة، كما أعطى القانون الحق للوزير والجهات الانضباطية بتحريك الدعوى الجزائية، كما في قانون انضباط موظفي الدولة وفي جرائم (الجلسات) اثناء نظر المحكمة للدعوى، وهناك جرائم حصر المشرع تحريك الدعوى الجزائية بالمجنى عليه والتي وردت في المادة (3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لارتباطها بالحق الشخصي للمشتكي وأسباب أخرى منها حماية الأسرة 
وسمعتها. 
إذا فالإخبار المعول عليه في تحريك الشكوى الجزائية هو الإخبار الوارد الى قاضي التحقيق المختص عن طريق الأشخاص الذين وردت اليهم الشكوى في المادة (1) من القانون، واذا كان هناك إخبار جوازي للمتضرر من الجريمة او المشتكي فإن هناك إخبارا وجوبيا تم النص عليه في المادة (48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (كل مكلف بخدمة عامة علم اثناء تأدية عمله او بسبب تأديته بوقوع جريمة او اشتبه في وقوع جريمة تحرك الدعوى فيها بلا شكوى، وكل من قدم مساعدة بحكم مهنته الطبية في حالة يشتبه معها بوقوع جريمة، وكل شخص كان حاضراً ارتكاب جناية عليهم أن يخبروا فوراً أحداً ممن ذكروا في المادة (47) وهم حسب المادة (قاضي التحقيق او المحقق او الادعاء العام او أحد مراكز الشرطة). وعند ذلك حينما يكون الإخبار عن هذه الجرائم تم تحريكه وإخبار القضاء به، ستكون الاجراءات القانونية حاضرة بحق المتهمين  كون ما ورد في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من جرائم الحق العام، ويتم متابعتها من قبل الادعاء العام والادعاء العام وحسب ما ورد في قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 بأنه يهدف الى: الحفاظ على أموال الدولة والقطاع العام كما في أولا، والاسهام مع القضاء والجهات المختصة في الكشف السريع عن الافعال الجرمية والعمل على سرعة حسم القضايا وتحاشي تأجيل المحاكمات من دون مبرر لاسيما الجرائم التي تمس أمن الدولة ونظامها الديمقراطي الاتحادي كما ورد في ثالثاً. أما  المادة (5) منه فإنها نصت على: تولي الادعاء العام إقامة الدعوى بالحق العام وقضايا الفساد المالي والإداري ومتابعتها كما ورد في أولا، وثانيا مراقبة التحريات عن الجرائم وجمع الأدلة التي تلزم بالتحقيق فيها واتخاذ كل ما من 
شأنه التوصل الى كشف معالم الجريمة.
وعليه فإن أي إخبار يصل الى علم الادعاء العام يتم التحري عن حقيقة الإخبار وجمع الأدلة، وحين يتبين للادعاء العام من خلال التحري وجمع الأدلة أن هناك ما يشير الى ارتكاب جريمة، يقدم طلبا الى قاضي التحقيق المختص لتتم المباشرة بإجراءات التحقيق للوصول الى حقيقة الإخبار او البلاغ، فالقيمة القانونية لما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات المسؤولين والقنوات الفضائية يبقى ضمن التداول الإعلامي مالم يتم إخبار للقضاء به، إن حداثة التجربة الديمقراطية والإعلامية في العراق بحاجة الى مران حقيقي يتلمس طرح المواضيع الإعلامية او التصريحات الإعلامية للمسؤولين او المنشورات المتداولة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للتمييز بين حق التعبير عن الرأي والفعل المجرم مع تأكيدنا على اهمية 
دور المواطن في كشف الجريمة وهو القاعدة الأساس للعمل الرقابي والقضائي.