رواية سياسيّة أم خطاب سياسيّ في رواية؟

السبت 04 تموز 2020 226

رواية سياسيّة أم خطاب سياسيّ في رواية؟
د. عبّاس آل مسافر
 
تحدد نظرية الرواية الحديثة الاتجاهات الكتابيّة الروائيّة، وترسم خارطة طريق مفترضة، بينما نجدها تدعو من جانب ثانٍ إلى وضع الحدود المتاخمة لتكون حدوداً فاصلة بين كلِّ نوع سردي، وتؤكد دائما بأن هناك سمات خاصة بكل نوع تميزها عن الآخر، وتتأمل من الروائيين أن يبرزوا هذا السمات، وألا يتورطوا في الخلط بين تلك الأنواع، حفاظا على خصائص النوع الكتابيّ، والمساهمة في تطويره ومحاولة إخراجه من المحليّة نحو العالميّة.
ولأنَّ السياسة في العصر الحديث اقتحمت كلَّ شيء جميلٍ وبريء في الحياة حتى وصلت إلى غرف النوم، فلا يمكن أن تكون بعيدة عن الحقول المجاورة لها، لكن بالأصل فإنّ الأدب هو من جرَّ رِجْل السياسة إلى ساحته، محاولاً توظيفها واحتواءها وإعادة إنتاجها مرّة ثانية ضمن سرديتها الملحميّة الكبرى، وتحويلها إلى انشغالات ثقافيّة تدين أو تشجب أو تصوّر أو تؤرشف يوميّات الاضطهاد والعنف والقتل والعنصرية والإبادات. لكنَّ هناك ملمحين هما من أهم ما يوحي لنا بأنّ "الرواية السياسيّة" تريد أنْ تطرح نفسها ـ مصرّة ـ بوصفها نوعا سرديا جديدا يشكل تيارا غير تقليديّ مختلف عن معظم أنواع السرد العربيّ الأخرى، وهذان الملمحان هما، الأول يتعلق بشعريّة لغة الرواية السياسيّة والتي تكون مختلفة جزئياً عن غيرها من الأنماط، إذ لو حللنا بعضها لوجدناها تعتمد على الإيحاء وتتكئ على المجاز أكثر من التصريح، والتكثيف بدل التسطيح، والملمح الثاني، يتجسد في طريقتها بتوظيف "الرمز"؛ وتحويله إلى " أيقونة سياسيّة" تسعى إلى تمريره وفق رؤية خاصة بها، كما في روايات السوريّ حيدر حيدر. ومن أهم الأسباب التي دفعت بعض الروائيين إلى الميل للكتابة السياسيّة في الرواية، هو بأنّه قد يكون هناك توجه مؤسسي مقصود أو ربما غير مقصود في أحيان نادرة، في التشجيع نحو إبداع أدبيّ معين، يكون الغرض منه سحب القرّاء إلى هذا النوع، وتغييب الوعي الجماهيريّ وتقليل فرص الاختيار، كما هي الحال في التعبئة الثقافيّة التي تقوم بها الحكومات العربيّة في حالات المواجهة والتغيير المجتمعيّ والاستعداد لخوض الحرب، وقد سعى أغلب كتّاب "الرواية السياسيّة" إلى رفع مستوى الشعور بالانتماء القوميّ للأمة العربيّة، وتحميل القارئ مسؤولية أخلاقيّة تجاه هذه الأمة العظيمة؛ كما حصل في المد القوميّ منذ الخمسينيات، مروراً بالحقب بعدها ووقوفاً إزاء هذا الشعور الطاغي أيام الحرب العراقيّة الإيرانية، كما نجده عند الروائي "جمال الغيطانيّ" في روايته "حرّاس البوابة الشرقيّة". وتحاول الرواية السياسيّة أنْ تخلق بطلها الخاص بها الذي يحملُ مواصفات لا تتوفر أحيانًا في "الرواية التاريخيّة" أو "الرواية البوليسيّة" وقصص العشّاق الرومانسيين؛ إذ إنّه يمتاز بالتضحية والفداء من أجل الجماهير وتحمّل معاناة الآخرين، وإدمان التشرد والتعود على السجون.
ولو دققنا في ما طرحه الناقدان الدكتور طه وادي في كتابه (الرواية السياسيّة) والدكتور محمد عطية في (دراسة نقدية في الرواية السياسيّة) فإنّه لا يتعدّى أنْ يكون تأصيلاً لخطاب سياسيّ داخل البنية الروائيّة، وليس كشفًا عن نوع سرديّ تمخضت عنه كتابة، وهما يخالفان رأي "جوزيف بلوتنر" في كتابه (الرواية السياسيّة) : الذي يرى بأنّه" إذا حصرنا الرواية السياسية في نشاط بعض المؤسسات كالكونغرس او البرلمان، فهذا يعني أنْ نراعي بذلك الطابق العلوي للبناء السياسي، ونتجاهل الطابق الرئيس والقاعدة التي تسانده". وهذه القاعدة التي ينبغي أنْ تخوض الصراع السياسي هي طبقات المجتمع خاصة الطبقة العاملة التي ينبغي أنْ تضطلع" بأدوار سياسية او تتحرك في وسط سياسي". 
وعلى هذا إننا لو بحثنا في نموذج روائي عراقيّ معاصر، مثل رواية غائب طعمة فرمان (النخلة والجيران) فأين يمكننا أنْ نصنفها؟ وأين يمكن أنْ نضعها؟ إذ هي رواية اجتماعيّة بامتياز، تتحدث عن مجتمع بغداديّ مصغّر، حاول الروائي طرح مشكلاتهم الاقتصاديّة وإبراز همومهم اليوميّة، لكنْ إذا بحثناها من جانب آخر فإنّها رواية تحمل (خطابًا سياسيًا)، وهي بالأصل رواية تكشف أثر الحرب في المجتمع وإنَّ الأنساق المضمرة فيها هي الخطوط التي تتلاقى بين طبقات المجتمع العراقيّ والثورة على الأوضاع السائدة السيئة، وما كان اغتيال شخصيّة (صاحب أبو الباسيكلات) إلّا رمزًا عن اغتيال الروح الوطنيّة.  إذن؛ هناك تمثلات لخطاب سياسيّ داخل مكونات البنية السرديّة، كما هي الحال في تمثلات الخطاب الفلسفيّ والاجتماعيّ، وليسَ هو نوع مفصول عن الأنواع السرديّة المعروفة. فالصعوبة تكمن في الوقوف على ماهية "الرواية السياسيّة" الزئبقية، التي لا يمكن الإمساك بها، فيصدمنا التساؤل الآتي، هل الرواية السياسيّة هي، رواية الحرب التي تتحدث عن هذه الحالة من الصراع وتجسدها وتمثّلاتها وتسرد أوجاعها ومآسيها، مثل روايات الحرب العراقيّة الإيرانية، أو الروايات التي أرشفت الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وحرب أكتوبر، وحروب الجزائر وتونس مع المحتل الفرنسيّ وغيرها، أم أنَّ "الرواية السياسيّة"، هي تلك التي توظف الثورة كثيمة أساس لموضوعها، وتقص حكايات الشباب الثوريّ الطليعيّ وهو يخوض محاولة قلب النظام أو الدعوة لعصيان مدني أو الانتفاض من أجل احتلال بلدٍ عربي ما، والتظاهر من أجل إرجاع حقوق الشعوب المسلوبة، كما في عشرات الروايات التي كتبت ولا تزال عن نضال الشعب الفلسطيني، أو قد تكون "الرواية السياسيّة" هي رواية ساقت العنف والإرهاب بُنى سرديّة لها، في محاولة لتفكيك هذه الظاهرة المجتمعيّة الخطرة، ودراسة أسبابها والوقوف على نتائجها المهولة والكارثيّة، أم هي تنحصر في "رواية السجون" كما في بعض روايات "صنع الله إبراهيم" في "اللجنة" و"فاضل العزاويّ" في "القلعة الخامسة" و"محيي الدين زنكنه" في "ئاسوس" وغيرهم المئات من الروائيين الذين خاضوا تجربة السجن حقيقة.
والمشكلة الأخرى التي لا تقل عن الأولى أهمية، بأنّه لا يمكن لأي دارس الوقوف على توزيع حقيقي للرواية السياسيّة ـ كما هو شأن الأنواع الأخرى ـ في أقطار الوطن العربيّ، ودراسة أسباب تركزها في بلد دون الآخر، أو غيابها عن بلدٍ ما. وإذا كانت مسألة حصرها أفقيًا فإنه غير مستحيل فعل ذلكَ عموديًا، أي إنّه يمكننا أنْ نلاحظ نشاطها بعد الأحداث العظمى كما هي الحال في الحدث الكبير الذي غيّر مسار الكتابة السرديّة عند المثقف العربيّ بمختلف أيديولوجياته، وهو ظهور "الربيع العربيّ" عام 2011 الذي أعَادَ رسمَ العالم العربي من جديد. ولو فتشنا أرشيف النقد لوجدنا هناكَ الكثير من أسهم في تنضيج هذا النوع ودراسة بعض الروايات التي وردَ فيها الخطاب السياسيّ، غربيًا وعربيًا، منها على سبيل المثال: كتاب "الرواية السياسية" M.E.Spear إيرڤينج هاو في الصادر عام 1957م.
وعربياً: كتاب الواقع والمثال، مساهمة في علاقة الأدب والسياسة، لفيصل دراج الصادر 1989/ دراسة بعنوان: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية الدكتور حمدي حسين، والصادرة 1994/ دراسة بعنوان: "السياسة والفن في الرواية العربية المعاصرة"، طه وادي عام 1990م/ دراسة بعنوان "علاقة السياسة بالأدب في 
المجتمع العربي" لحسين مروة، 
عام1985م.