حوض النيل.. حرب أم سلام؟

السبت 04 تموز 2020 217

حوض النيل.. حرب أم سلام؟
أماني النداوي
 
"مصر هبة النيل" كما يقول المؤرخ هيرودوت، كما هي حال العراق الذي سمي (بلاد الرافدين)، فقد ارتبطت نشأة الحضارات العريقة وتطورها بوفرة المياه وجريان الأنهار وتعددها، بيد أن مشكلة كل من مصر والعراق،اللتين تضمان أقدم حضارتين في العالما،ان منابع أنهارهما تقع خارج حدودهما، وان هناك نقصاً واضحاً في المياه في العقود الأخيرة،وزيادة متصاعدة في عدد السكان، وهو ما يتطلب تنظيم حق الحصول على الماء، باعتباره مصدر الحياة الأول، من خلال اتفاقيات عادلة واستبعاد محاولات الاستحواذ والهيمنة في العلاقات بين الدول ذات الأنهار المشتركة،ولو تحولت الخلافات حول المياه إلى حروب،كما يروج بعض المراقبين، فلن يكون هناك منتصر، وسوف يخسر الجميع!
الخلافات بين اثيوبيا من جهة، والسودان ومصر من جهة ثانية، بشأن منابع نهر النيل، ليست جديدة، لكنها تصاعدت في السنوات الأخيرة، ازاء تفاقم أزمة المياه، وتزايد الحاجة لها، في ظل إقامة مشاريع إحادية من قبل دول المنبع، واتفاقيات قديمة أدت إلى توزيع غير عادل للمياه بين دول المنطقة.
الدول الثلاث المعنية بشأن نهر النيل، تبادلت الاتهامات والتهديدات خلال الأسابيع الأخيرة حول سد النهضة الذي شيدته اثيوبيا منذ عام 2011، بتكلفة تبلغ 4.5 مليار دولار بمحاذاة حدودها مع السودان، وقد أشعل هذا المشروع التوترات، لكنه أعاد إحياء المفاوضات حول إدارة السد والتي استمرت حتى الوقت الراهن. 
السودان ومصر وصفتا المشروع بأنه محاولة اثيوبية للسيطرة على مياه النيل وتعطيش شعبيهما، حيث يعيش غالبية الشعبين المصري والسوداني على ضفاف النيل ويعتمدون على موارده، وتثار المخاوف من أن النمو السكاني قد يتسبب في معاناة البلدين من الجفاف والفقر، وخاصة إنهما يعدان من البلدان الزراعية. ومن جانبهم، دافع مسؤولون اثيوبيون عن حق بلادهم في الاستفادة من الثروة المائية، واستخدام السد للتنمية البشرية والاقتصادية، وهو يشغّل أكبر محطة توليد طاقة كهرومائية في القارة الافريقية، فضلاً عن توفير كميات هائلة من المياه للشرب والزراعة والصناعة في منطقة تعاني دائماً من شحة المياه، واعتبرت الحكومة الإثيوبية سد النهضة مشروعاً أساسياً لدفع عجلة التطوير في البلاد.
مصر كانت حتى وقت قريب، تعد النيل نهراً مصرياً، وتتصرف بمياهه وفق مصالحها الخاصة، وقد أنشأت في ستينيات القرن الماضي السد العالي الذي وصف بالمشروع العملاق، وترى الحكومات المصرية المتعاقبة إنها تمتلك حقاً تاريخياً وقانونياً في مياه النيل، وتشير إلى الاتفاقيات التي وقعتها بهذا الشأن مع بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي، ومع السودان في الخمسينيات، لكنها لم تهتم كما يبدو بالدول الأخرى، وبخاصة إثيوبيا التي كانت خارج اللعبة حتى السبعينيات، عندما بدأ أول خلاف حول توزيع المياه، وقد فشلت المفاوضات بين دول حوض النيل طوال نصف قرن، وتصاعدت الخلافات في المدة الأخيرة.
 لا شك أنَّ تجربة العلاقات المعقدة بين الدول الافريقية التي تعاني أغلبها من التخلف والفقر وعدم الاستقرار،قد خيمت على أجواء الأزمة حول نهر النيل،وراحت كل الأطراف تعمل على تفضيل خيار السلام بدلاً من التصعيد السياسي والعسكري،وقد أثمرت قمة ثلاثية بين الدول المعنية، قبل أيام، عن ملامح اتفاقية برعاية الاتحاد الافريقي، قد تنهي عقودا من الخلافات حول مياه النيل وتوزيعها،وفي هذا الصدد كشف مدير مكتب رئيس الوزراء الاثيوبي آبي أحمد، أن مصر واثيوبيا والسودان اتفقت على توقيع اتفاقية حول سد النهضة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وجاء الإعلان بعد يوم من عقد قمة ثلاثية مصغرة عن بُعد بين قادة الدول المعنية بقضية النيل، بمشاركة رئيس جنوب افريقيا ورئيس الاتحاد الافريقي، وعدد من قادة الاتحاد الافريقي، واتفق الزعماء على تبليغ مجلس الأمن الدولي بأن الاتحاد الافريقي سيتولى عملية الوساطة خلال المرحلة المقبلة، وقد حظي الإعلان بترحيب الأمين العام للأمم المتحدة، أنتونيو غوتيريس، الذي قال إنه شجع عملية التوصل إلى "اتفاق ودي بناء على التفاهم المشترك، والمصالح المشتركة وحسن النوايا وضمان انتصار جميع الأطراف واستناداً إلى مبادئ القانون الدولي". 
الاتفاقية المتوقعة قد تضع نهاية لعقود من النزاع بين الدول الثلاث حول إمدادات المياه في منطقة حوض النيل،وقد تأخذ بنظر الاعتبار عوامل عدة من أهمها طول مجرى النهر في كل دولة وعدد السكان ومساحة الاراضي الزراعية والمشاريع الصناعية، ويفترض أن يُنظر إليها كتجربة لبقية الدول،ومن بينها العراق دون شك، حيث يتزايد تأثير شح المياه في المجتمعات ويشعل نزاعات في الكثير من المناطق حول 
العالم.