الدين ومقولة المراجعة

الأحد 05 تموز 2020 189

الدين ومقولة المراجعة
علي لفتة سعيد
 
الدين حاجة إنسانية وهو وسيلة لربط المخلوق بالخالق وتعليماته وقد أنزل إليهم عن طريق الأنبياء والرسل.. والدين ارتباط روحي ايضا مثلما هو مرتبط بالحاجة الانسانية.. والدين مناقشة عقلية على مضمار روحي وتدريب عاطفي في منطق معرفي.. والدين جوهر والجوهر لب الأشياء وحقيقتها التي لا تحتاج الى قراءات متعدّدة، لأن الأصل ثابت وهو مرتبط بالله منزل الدين..
ولأن الدين له تعاريف عدة في اللغة العربية، وكذلك في التفاسير القرآنية وأغلبها ترتبط بالجزاء (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وكذلك ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. وهو ما يعني الجزاء.. مبدأ الثواب والعقاب وهو ما يعني ثبات القوانين فيه في العبادات والطاعة ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ﴾، وغيرها من الآيات التي تثبت أن الدين جوهره طاعة لتنظيم الحياة وعقوبة لمن يخالف شروط البقاء في الحياة.. ولأن الجوهر هو الأساس في أية فكرة أو حركة أو منظومة او حتى منهج أيديولوجي، فإن الجوهر ثابت في المعنى والدلالة، وأنه أي الدين هو الطريق الصحيح لتقويم الإنسان، من خلال حركتين ثابتتين يراد له أن يطبقهما ليكون حاصلًا على الجزاء المرجو منه، سواء في الآخرة كجنة الميعاد أو الدنيا كحياة يحياها براحة بالٍ وضمير كما يقال.. الاولى: إنه ارتباط مع الخالق لشكره على النعم والعبادة وتوسلاتها والوجود وطرقه؛ ولذا فهو باختصار علم وعمل وتوحيد وأخلاق وهي ما تحتاج الى صدق ترتبط بالحركة الثانية: علاقة الانسان بمحيطه وكيفية إيجاد هذه العلاقات وتطبيقها من أجل الحصول على رضا الله في جزائه.
ولكن الأسئلة التي تتردد دائما على وفق ما وصلت إليه المجتمعات مما يمكن تسميته تشظيا في الأفكار والتعاريف لهذه الجهة او تلك في المذاهب المتعددة وحتى داخل المذهب الواحد سيكون: هل حقا نحن بحاجة الى قراءة جديدة للدين؟، وهل الدين يحتاج الى هذه القراءة؟ أم أننا بحاجة الى مراجعة الفقه، وما وصلنا منه من صراعات في نتائجه؟، أو أننا بحاجة الى إعادة ترتيب الأولويات في الدين بحسب ما أنتجه الفقه المتعدد والمتشظي والذي امتد منذ أن تحول الامر من شورى بينكم الى خلافة وخليفة، لتتحوّل الأمور الى سلطة وقوة الى يومنا هذا؟، ثم يمكن أن ينبثق سؤال آخر: هل القراءة تشمل الأصول أم الفروع في الدين؟، وإذا ما اعتبرنا أن الأصول في الدين هي العبادات والأخلاق والاهتمام بالعمل، فهل أن الفروع التي يمكن إجمالها على أنها تختص بالفقه الذي عرّف الفروع وفسّرها وتناقض فيها لدى هذا الفقيه أو ذاك؟، وكذلك يمكن وضع السؤال الآتي: هل الفقه كان خالصا للدين أم أنه جاء بتأثير سياسي أو لأغراض سياسية، كما اوضحنا منذ أن تحوّل الأمر من الشورى الى الخلافة؟.
إن الإجابة التي يمكن استخلاصها من خلال تلك الصراعات العديدة التي يشهدها العالم والكتب الكثيرة التي تؤلّف من هذه الجهة أو تلك والتي تضم بين طياتها ما نسميه بالفقه الإسلامي الذي يأتي به الفقيه العالم الديني والمالك لمعرفة أسرار الدين، خاصة إذا ما اتفقنا على الفقه يعني (العلم الذي يُعنى بفهم أحكام الشريعة الإسلامية واستنباطها من أدلتها التفصيليّة في القرآن الكريم والسنة النبوية في كل مناحي حياة المسلم بما عليه من أفعال وعبادات مكلّف بها، وهو العلم الذي يقرّر حكم الشيء حلاله وحرامه ووجوبه وندبه وكراهيته. والفقه الإسلاميّ نظريا يشتمل دراسة علوم أساسية فيه، ألا وهي علم فروع الفقه، وأيضاً علم أصول الفقه، وعلم الاستدلال، وغيره).
إن مقولة حاجة الدين الى إعادة قراءة مقولة خاطئة بحسب اعتقادي لأن أية مراجعة للدين يعني وجود خطأ سابق يراد تصحيحه، وهو يعني وجود ميلٍ ولو نسبيا، ونحتاج الى فهمه، لذا فإن الأمر يعني وجود خطأ أو عدم فهم أو عدم التوصّل الى فهم جوهر الدين. بمعنى أن الدين كمفهومٍ لم يعد ثابتا رغم أن جوهره هو الثابت دوما، لأنه لم يكن فكرةً أرضيةً أو أيديولوجيةً إنسانية أو منهجية، بل هو جوهر إلهي.. لذا فإن الصحيح أن نقول، إننا بحاجة الى قراءة جديدة للفقه أكثر من حاجتنا الى إعادة قراءة جديدة للدين، لأن الفقه ارتبط كثيرًا بالواقع السياسي الذي انبثق منه هذا الفقه.. وأن هناك من يقول أن ما يحصل الآن في العالم أجمع وفي العالم الاسلامي بصورة خاصة هو نتيجة لذلك الفقه الذي أنجبته السياسة / السلطة / الحكم.
ولهذا يمكن لنا أن نراجع تأثير الفقه على الثوابت وتأثيره على الثالوث الذي يشكل الفهم العام للدين (العلم العمل الأخلاق).. رغم أن هناك من يعد الفقه أنه هو من سوّق لنا الدين، لذا فإن المعنى يبقى متجدّدًا بما يفسّره ليبقى هو الفاعل.. وأن هذا الأمر لا يخصّ طائفةً أو مذهبًا كي لا يكون الأمر مجانبًا لجهةٍ، أو أنه يشمل الجميع، بل هو يعين الفقه الذي أصبح تأثيره على الواقع الفكري والعاطفي أكثر منه التأثير الديني على الإنسان العابد، وهو ما يعني أيضا أن الدين بثوابته وجوهره يلائم كلّ جديد في الحياة وهو ما يرتبط بالعقل والضمير معا.
إن المفهوم المقصود واضح إلّا اذا أردنا تحوير مقاصده، بمعنى أن الدين ثابت والفقه متغيّر، لذا فالفقه نسبي وما تعانيه البشرية سببها هذه النسبية في الفقه وتعدّده، حتى لم يبق على تعدّدات تاريخية، بل هي مستمرة حتى الآن.. وهذا الأمر يحتّم علينا قراءة جديدة لما هو نسبي أكثر منه لما ثابت وغير متحوّل. والمتحوّل خاضع بالضرورة وفي كثير من الأحيان الى قوّة السلطة التي يعيش فيها هذا الفقيه أو ذاك، وهو ما جعل الكثير من الفقهيات إن صحت التسمية تنتمي الى النسبيات وإن ناقشت الثوابت، لأن مراجعةً واعيةً لزمن المقولات الفقهية نجد أنها كانت في زمنٍ سياسي وقوّة سلطة وحكم متوارث يحتاج الى من يعينه على استنباط ما هو ممكن من الثوابت لكي يبقى في السلطة.. ولذا يمكننا القول إن الواقع السياسي هو الذي أنتج لنا فقهًا مرتبطًا بحيثيات وجوده، وهو متبدّل بتبدّل السلطة وحاجتها الى معين.. وهنا يمكن لنا أن نختصر هذه القراءات على ما هو خلاف بين الفقهاء ومن استرجاع الثابت من فم المتغير واسترجاع الجوهر من فم النسبي.
إن القراءة الصحيحة التي نحن بحاجةٍ إليها هو استخلاص الفقه المرتبط بالجوهر وتعريفات الدين وأهميته في المجتمع والمرتبطة كلها بوجود الخالق ومخلوقاته، وعزلها عن الفقه المرتبط بالسلطة وغاياتها، لأنها من أوصلنا الى ما وصلنا إليه من تراشق وتضارب، لأن هناك حتى في هذا الزمن من يريد لَيَ عُنق التفسير لصالح هذه الجهة السياسية أو تلك، ولهذا فإن المراجعة لكلّ المقولات السابقة وتفكيك العلاقة بين الفقه والسلطة من أجل ردم هوّة الخراب الذي يأتينا متناسلًا منذ أن تحوّل الدين من منهجٍ حياتي الى رؤية حكم سياسي.. وهو أمر قد يرتبط بالجهد الفلسفي أو يتداخل معه أو حتى ينفصل عنه، فالأمر حقا أمام ثبات الدين بجوهره، ونسبية الفقه وغاياته، لأنه أي الفقه انوجد بفعلٍ سياسي، أكثر منه فعلا دينيا، وهو ما يعني أن الأمر يحتاج الى جدلٍ فلسفي ومعرفي أيضا، وكل شيء يمكن مقابلته بالضدّ لأن لا شيء ثابتا، إذ لا فكرة بلا 
ضدّية.