الإنسان حيوان {صامت}

الاثنين 06 تموز 2020 128

الإنسان حيوان  {صامت}
حمزة مصطفى
 
لاتزال العبارة التي أطلقها الفيلسوف أرسطو (القرن الرابع قبل الميلاد) "الإنسان حيوان ناطق" صامدة برغم كل ماطرأ من متغيرات على البشرية منذ ذلك الوقت حتى اليوم. المتغيرات شملت كل شيء  سواء على مستوى الأديان أو الحضارات أو الأفكار أو المفاهيم.  وبرغم كل هذا التطور المذهل وأهمه وربما أكثره شمولا وإتساعا ماحصل في القرنين العشرين والحادي والعشرين على صعيد الثورة الصناعية فالتكنولوجية فثورة الإتصالات والمعلومات بدءا من الأتمتة الى السيبرانية وصولا الى عصر السوشيال ميديا وأهم تجلياته (الفيس بوك، تويتر، يوتيوب، إنستغرام، سنا بشات) وما سيأتي في قابل الأيام.  مازال الإنسان حيوانا ناطقا على حد تعبير أرسطو.
 ربما في عرف أرسطو أن المشتركات البيولوجية والفسلجية بين الإنسان والحيوان تكاد تكون واحدة ماعدا النطق. لكن يبدو أن صفة النطق ليست ميزة في فهم أرسطو بقدر ماهي مجرد فرق في التوصيف بين الإنسان والحيوان.  صحيح أن أرسطو عاش في ظل ظروف وأوضاع لم تكن فيها البشرية حازت من التقدم والرقي مايفوق العقل والتصور لكن هذا لايبدو مبررا كافيا لكي يجد أن الفرق بين الإنسان والحيوان هو في النطق فقط. 
 على مدى كل تلك القرون لم يفلح الفلاسفة والمناطقة وعلماء النفس والاجتماع من فك الاشتباك مرة والارتباط مرة بين الإنسان والحيوان بوصفهما مخلوقين لايختلفان عن النبات الذي هو مخلوق هو الآخر، وبين النطق الذي تميز به الإنسان.  وطالما حظي البشر بهذه الميزة وهي النطق فلماذا حيونته؟ هل هذا التوصيف إهانة للإنسان أم تكريم.  هذا الإنسان الذي برغم ميزته الهائلة التي جعلته يركب  البحار بالسفن والأجواء بالطائرات ويبني ناطحات السحاب ويغرد على تويتر ليل نهار كأي دونالد ترمب يجد نفسه حيوانا في النهاية حتى وإن كان ناطقا، الحمد الله ليس رسميا. 
وفي المقابل هل هو تكريم للحيوان الذي لم يركب بحرا ولم يمخر عباب السماء ولم يبنِ طابوقة وليست لديه مواقع تواصل ولا هواتف ذكية أم إهانة له من منطلق إنه ليس أكثر من "بشر صامت"؟ الحقيقة أنا لا أعرف، لكن لدى الفنانة أليسا رأي لايقل خطورة عن رأي أرسطو في سياق العلاقة الجدلية بين نطق الإنسان وصمت الحيوان وما بينهما من مقاربات ومفارقات.  اليسا تقول في تغريدة على تويتر هذه التي يفتقر اليها زميلنا الحيوان "لايوجد حيوان في العالم أكثر وحشية من الإنسان". لا أعرف أيضا السبب الذي جعل اليسا تطلق هذه العبارة.  لكنها تبقى عبارة دقيقة جدا من حيث مصفوفة المفاهيم التي عبرت عنها.  فالإنسان  من وجهة نظرها حيوان، بينما هو من وجهة نظر أرسطو حيوان أيضا لكنه ناطق.  وهذا الإنسان الناطق أرسطيا لارسميا هو من وجهة نظر اليسا أكثر وحشية من أي حيوان آخر.  لا أستطيع كيف أنهي هذا الجدل سوى اللجوء الى ماوجدنا أنفسنا فيه نحن البشر الناطقين بسبب كورونا.  فكورونا الذي صنعناه نحن بني البشر وإن كان مصدره الحيوان حجرنا في المنازل بينما أطلق الحيوانات تسرح وتمرح لأنها لم يعد يخشى منها ولا عليها.  قبل عقود قال غارودي "لم يعد الصمت ممكنا". إطمئن حجي .. صار الصمت حتميا..  وخليها سكتة.