كورونا وذوو الاحتياجات الخاصة

الثلاثاء 07 تموز 2020 227

كورونا وذوو الاحتياجات الخاصة
 د.عبد الواحد مشعل
 
إنَّ أشد الفئات حاجة الى الدعم المجتمعي والحكومي هم ذوو الاحتياجات الخاصة، الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم (المساكين) الذي لا يستطيعون إسعاف أنفسهم أو إيجاد حيل تنقذهم من وضعهم الساكن، وإن تمكنوا نسبيا من التكيف مع وضعهم أو إيجاد بعض السبل للاستمرار في الحياة، إلا أن الواجب دائما يدعو الضمير الإنساني الى رعايتهم والعناية بهم، 

وتزداد الحاجة الى ذلك في الظروف الحالية الصعبة تحت اشتداد أزمة كورونا، والذي يستدعي أولا من الأسرة والمجتمع ومن المؤسسات المعنية سواء الحكومية أم الأهلية حمايتهم، وتشديد إجراءات وقايتهم صحياً ونفسياً 
واجتماعياً.
 
الأسرة والمجتمع وذوو الاحتياجات الخاصة
لعلَّ أبرز المهام التي تقوم وتتحملها الأسرة هي رعاية أبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة في هذه الظروف الصعبة التي نمر بها جميعا والتي تزداد فيها حالات الإصابة بفيروس كورونا وسط ضعف وعي اجتماعي واضح لدى فئات اجتماعية كثيرة، ما يلقي على الأسرة واجبات اضافية وحتمية لا بد منها في التركيز على خدمتهم وجعلهم دائما في دائرة الرقابة المستمرة. ولا ينبغي فصل تقدير المجتمع لهم، عن دور الرعاية الصحية، فالقيم الإنسانية تدعونا الى تقديم الرعاية والاحترام لهم ومساعدتهم والنظرة إليهم على أنهم مواطنون متساوون مع غيرهم وأنهم يحظون بمكانة مقدرة في الأسرة والمجتمع، وان أدوارهم المختلفة هي ادوار يحتاجها المجتمع وإعطائهم مساحة من الاهتمام بما يقومون به، ولاسيما الذي يشغلون بعض الوظائف أو أدوارا داخل 
مجتمعهم.
 كذلك يتطلب من الأسرة تأمين احتياجاتهم داخل الأسرة وجعلهم يعون الخطر الوبائي الذي يداهم الإنسان اليوم، وان الشعور بذلك يساعد الأسرة والأفراد الذي يساعدونهم بدورهم الإنساني والديني، والذي يعبر عما هو مكنون من الخير في نفوسهم إزاء هؤلاء، كذلك يمكن تقديم الدعم للذين ينضمون منهم الى معاهد أو مدارس مختلفة، تسهيلات خدمات التعليم 
الالكتروني.
ولا يقل دور المجتمع قيمة عن أسر ذوي الاحتياجات الخاصة في تقديم الدعم المعنوي والمادي لمساعدة هؤلاء في هذه الظروف الصعبة والوقوف الى جانبهم ومحاربة كل العادات السيئة التي تحط من مكانتهم وتقلل من وجودهم الاجتماعي في المجتمع، وينبغي في هذا السياق التخلص من السلوكيات التقليدية التي تنظر بنظرة دونية واستهزائية في بعض الأحيان تجاه هذه الفئة ما يزيد من معاناتهم و من حالهم سوءا.
إن الموقف المجتمعي الصحيح هو التضامن والتكافل الاجتماعي لتقديم الدعم المادي والمعنوي والنفسي، فالمجتمع هو المحيط المؤثر في حالة هؤلاء سلبا أو إيجابا، كما أن تأثير المجتمع المحلي في هذه الظروف الصعبة في غاية الأهمية، لاسيما إذا كان ذلك يظهر في مساندة الأفراد العادين، فما بالك بالنسبة للإنسان المعاق الذي يحتاج الى الرعاية والحماية من الأمراض والفقر والعزلة.
 
المؤسسات المعنية والدعم الحكومي
إنَّ مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحكومية وغير الحكومية المعنية برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة مدعوة اليوم الى تقديم الرعاية الصحية الكاملة لهم ومضاعفة الجهود في الحفاظ على أوضاعهم الصحية والغذائية وزيادة جهود التعقيم وبث ثقافة الاعتناء الذاتي ومرافقتهم في الأوقات المختلفة ومنعهم من الاختلاط مع الغير وعدم السماح لهم بمغادرة المؤسسة التي يقيمون بها، والعمل على إيجاد البدائل التي تجعلهم أكثر تكيفا في البقاء في 
المؤسسة.
يعدُّ العراق من أولى البلدان التي شرعت القوانين للرعاية الاجتماعية وإحاطة ذوي الاحتياجات الخاصة الراعية الوافرة، وقد كانت القوانين العراقية من بين أكثر القوانين العربية ريادة وتقدما، وقد أعطت تفردا ايجابيا في تقديم الخدمات والرعاية الصحية والاجتماعية والتي تزداد حاجتها اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالحاجة في الظروف الحالية للأسرة تعد امتحانا لمهنيتها وإنسانيتها ما يتطلب جهودا مضافة لحماية ذوي الرعاية الخاصة من خطر كورونا، وينبغي في هذا المجال توفير العقاقير المضادة واخذ الحيطة الكافية لوقاية هؤلاء ودرء أي خطر يتعرضون إليه، وإخضاع المؤسسات المختلفة للرقابة الشديدة ومتابعة عملية التعقيم والاطلاع على أوضاعهم الصحية ومتابعتها على مدار الساعة، بعدها أكثر الفئات الاجتماعية ضعفا وتهميشا ما يتطلب تقديم المساعدة المباشرة لها في النظافة والعناية الصحية والنفسية، كما أن هؤلاء تعودوا على نمط معين من السلوك يتفق مع طبيعة إعاقة كل واحد منهم، ما يتطلب العناية بهم في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ومعاملتهم معاملة حسنة أسوة بالآخرين، فتحقيق نوع من المساواة في العناية مع الآخرين يتطلب توفر روح إنسانية في غاية الرحمة، وهذا يتطلب من القائمين على رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات المعنية الخاصة ومراقبة أوضاعهم، وتقديم المعلومات الدورية عنهم الى الجهات العليا لمتابعة ظروفهم وفهم التغيرات التي تطرأ 
عليها.
كما أنَّ رعاية هذه الفئة وحمايتها من الإصابة بفيروس كورونا تقع في جانب منها على وسائل الاتصال الحديثة، بالتركيز على أوضاعهم وكشفها بايجابيها وسلبيتها أمام الرأي العام، كما يتطلب من هذه الوسائل بلورة وعي مجتمعي لحمايتهم من الإصابة بالوباء من خلال توجيه المجتمع الى مساعدة ومساندة هؤلاء ماديا ومعنويا، فالإعلام بكل وسائله الجديدة أصبح يمثل جهاز رقابة مستمرة للكشف عن درجة الرعاية الاجتماعية التي يحظون بها وتقديم المعلومات المستمرة 
عنهم.
ولا يتوقف الامر عند دور المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في العناية بالمعاقين وتقديم الرعاية لهم، إنما يتطلب من الدولة تقديم ستراتيجية (خطة) لوقاية ذوي الاحتياجات الخاصة من الإصابة بالفيروس، تتضمن دعما صحيا عالي المستوى ورؤية متكاملة تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بهم، مستندة الى بيانات آنية وأخرى قائمة على أساس استشراف مستقبلهم وسط تفاقم انتشار فيروس كورونا، ومستندة الى إرادة صلبة قادرة على اتخاذ القرارات الكفيلة بتنفيذ الخطة مع متابعة تقويمها من بدايتها حتى 
نهايتها.