وبعضُ السياسة ماقتل!!

الثلاثاء 07 تموز 2020 197

وبعضُ السياسة ماقتل!!
علي حسن الفواز
 
تتحمل السياسة فرضيات كثيرة، وقراءات أكثر، وهذا ما يجعل ممارستها  مفتوحة على احتمالات متعددة، قد تحرج صاحبها، لكنها تضعه- ايضا- أمام رهانات مسؤولة، تحكم  وعي الفرضية، وطبيعة القراءة، بعيدا عن الادلجة والتعصّب، وقريبا من المهنية والموضوعية، وأحسب أن وقائعنا السياسية العربية والوطنية ليست بعيدة عن هذا التوصيف، ليس لأنها محكومة بالطوارئ دائما، بل لأن تشوه المهنية فيها، وغياب الموضوعية عنها هو مايجعل صناعة الخطاب محكومة باشكالات معقدة، وبضعف حيازة القدرات على التحقق.
النظر الى السياسة يتطلب نظرا دقيقا الى الواقع، والى الجدّة في التعاطي مع هذا الواقع، وعلى وفق منهجية، ورؤية واضحة، وديناميات تجعل من الخطاب السياسي مجالا لفهم الواقع اولا، وأفقا لتغييره ثانيا، وبالاتجاه الذي يجعل من السياسة وكأنها مجموعة حوافز، أو فعاليات وممارسات تُعنى بضبط المصالح من جانب، وبمقاربة الواقع من جانب آخر، إذ لا نجاح في السياسة من دون هذا التوازن، و من دون وجود الكفاءات المهنية والعلمية التي تحمل وزر اقامة هذا التوازن، فضلا عن وجود الخطط والبرامج الستراتيجية التي تعزز مسار العمل السياسي، في سياق حماية العملية السياسية من الرثاثة، أو في سياق تنظيم البنية المؤسسية للعمل السياسي، لأنّ أكثر مشكلاتنا الموروثة هو الغياب المهني للمؤسسة السياسية، وللفاعلين المهنيين فيها.
مايحدث اليوم في الواقع العربي من أزمات ومن صراعات، ومن صعودٍ غير مسبوق للعسكرة، وللتدخلات الاقليمية في صناعة ظاهرة خنادقها، يكشف عن تضخم ظاهرة الرثاثة السياسية، وعن تحوّل تلك الصراعات الى ممارسات في تشويه السياسة، وفي تدمير النظم المؤسسية لها، مقابل بروز الأطر الجماعوية، والشخصيات " الكولاجية" في عوالمها، حيث الهروب من الايديولوجيا الى المعسكر، ومن الفقه الى العنف، ومن النصيحة الى التكفير.
لقد بات واضحا بروز هذه التمظهرات الحاكمة، وعلى أكثر من مستوى في ليبيا وسوريا والصومال واليمن، وبشكلٍ يجعل من " لعبة" السياسة، وكأنها ممارسة طفيلية يقوم بها البعض خدمة لمصالح واجندات، لا تؤمن بالمصالح الكبرى، بقدر نزوعها لتكريس تقويض المراكز القديمة، بما فيها مركزية الدولة، أو مركزية بعض الجماعات، لا سيما جماعات الاسلام السياسي، وأحسب حرب ليبيا هي أنموذج اجرائي لهذا التقويض القائم على تفريغ السياسة من مهنيتها، مقابل تحويل العسكرة الى قوة صيانية لجماعات تتمركز حول استيهامات خطاب الاسلام السياسي، وفي نسخته الاخوانية بشكل خاص..