الدولة القانونيَّة

الثلاثاء 07 تموز 2020 160

الدولة القانونيَّة
القاضي ناصر عمران
 
يقف التجذر التاريخي للمفهوم العقلاني للدول المدنية عند حدود الرؤية الافلاطونية التي تقدم أنموذج للدولة (المدنية) في اليونان والذي تصل فيه الى خضم تعريفها لمعنى العدالة وتحليله بأن ليس 
للدولة أي هدف آخر أسمى من الإشراف على العدالة، وهي بحسب افلاطون معنى عام يشمل الانتظام والوحدة والاستقامة وتوطيد 
النظام العام، وبذلك يكون أفلاطون بناء على هذه الفكرة المؤسس والمدافع الأول عن فكرة الدولة اليونانية وصولا إلى تلميذه سقراط، وبعد ذلك الوصول الى النظام السياسي الجديد والذي يرى بأن الدولة لا تتحقق إلا عبر جماعة سياسية منظمة، لكن المصطلح الخاص بالدولة القانونية يرتبط بالفكر الأوروبي الحديث وبخاصة أفكار الفيلسوف 
الالماني (ايمانويل كانت) والتي تستخلص من أفكاره عن طبيعة الفضيلة والتي يرى فيها «أن مهمة إنشاء حياة عالمية دائمة السلام ليست فقط جزءا من نظرية القانون في إطار عقلاني بحت، ولكنها 
هي في حد ذاتها هدفاً مطلقاً ونهائياً». 
فالدولة القانونية هي مفهوم في الفكر القانوني الأوروبي مستعارة من الأصل الألماني، وتفيد عدة معان بأنها «الدولة القانونية»، «دولة القانون»، «دولة العدل»، أو «دولة للحقوق» وهي «الدولة الدستورية» التي يتم فيها تقييد ممارسة السلطة الحكومية للقانون، وتقتصر 
سلطة الدولة على مبدأ حماية 
المواطنين من الممارسة التعسفية للسلطة.
 ويعرفها الدكتور ثروت بدوي في بحثه عن الدولة القانونية المنشور في مجلة ادارة قضايا الحكومة بالعدد 
(3 - 4) والصادرة العام 1959: «القول بنظام الدولة القانونية معناه خضوع الدولة للقانون في جميع مظاهر نشاطها، سواء من حيث الإدارة أو القضاء أو التشريع وذلك بعكس الدولة البوليسيَّة إذ تكون السلطة الإدارية مطلقة الحرية في أن تتخذ قبل الأفراد ما تراه من الإجراءات محققا للغاية التي تسعى إليها وفقا للظروف والملابسات). 
وفي هذه الدولة يتمتع المواطنون بالحريات المدنية قانوناً ويمكنهم استخدامها في المحاكم. 
ولا يمكن لبلد أن يكون به حرية ولا ديمقراطية بدون أن يكون به أولاً دولة قانون. 
لتحقيق هذا الهدف ومن اسس هذه الدولة يجب أن تكون مجتمعا يضم عددا كبيرا من الناس، بحيث يعيشون في ظل الضمانات المشرعة لحقوق الملكية الخاصة والتي يضمنها الدستور المشترك. 
ويجب أن تستمد سيادة هذا الدستور مسبقا من اعتبارات تحقيق المثل الأعلى المطلق والعدالة والإنصاف في حياة الناس وتحت رعاية القانون وفي ظل سيادة الدستور الوطني وتمارس 
القوة بالاستناد الى ذلك وتضمن السلامة والحقوق الدستورية لمواطنيها. 
والمجتمع المدني شريك مساوٍ للدولة وعنصر مهم من عناصر قوتها ودعمها، كما تعتمد هذه الدولة على مبدأ الفصل بين السلطات، السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية كأجزاء من الحكومة تحد من سلطة بعضها البعض وتوفر الضوابط والتوازنات بينها. 
والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية مرتبطتان بالقانون والسلطة التشريعية تكون مقيدة بمبادئ الدستور والديمقراطية المثبتة في الدستور كحقوق دستورية ومبادئ أولية للحقوق والحريات. 
كما أنها تعتمد على تفعيل شفافية الدولة، واشتراط تبريرات منطقية لجميع أفعالها. 
ومراجعة قراراتها وأفعال أجهزتها عن طريق جهة مستقلة، بما في ذلك قضايا الاستئناف والطعون. فضلا عن التسلسل الهرمي للقوانين، واشتراط الوضوح والتحديد. 
وتوفر المصداقية في أفعال الدولة، وحماية التصرفات الماضية التي حدثت بحسن نية من الإجراءات التي تتخذها الدولة في 
وقت لاحق وإقرارها لمبدأ التناسب في 
الأفعال. وأخيراً ولكي تتمتع 
الدولة بسمات الدولة القانونية، 
فإنه يجب أنْ تخضع في كل ما تباشره من نشاط لأحكام القانون بمعناه الواسع وإعمالاً لمبدأ المشروعيَّة.