الدراما في زمن الكورونا

الأربعاء 08 تموز 2020 79

الدراما في زمن الكورونا
د.عواطف نعيم
 

لم تكن الدراما العراقية في حالة معافاة منذ ما يزيد عن سبعة عشر عاما، بل باتت شديدة الغياب والتباعد في حضورها وفي موضوعاتها، سابقا كانت الرقابة الأمنية ومقصها وختمها الأحمر بالرفض والإبعاد أحد أسباب تلكؤها ونكوصها ودورانها في حدود مسلم بها، الآن ومع ما لها من انفتاح ومنفذ ولو صغير للحرية في الاختيار والبوح جاءت أسباب أخرى جديدة ومستحدثة لتعرقل تحركها ونهوضها منها: 

غياب السيولة المادية التي تسمح بتقديم انتاج درامي معافى وبالذات لقناة العراقية وهي القناة الأم بين القنوات العراقية المتعددة. كثرة القنوات وتعددها وعزوف الأغلب منها عن تقديم الدراما العراقية وان قدمتها فهي 
تقدمها ضمن أجندات تتبع سياسة وأيديولوجية القناة. 
الرقابة الجديدة والتي تفرض على الكاتب مواضيع الكتابة المحرضة أحيانا والمبطنة أحيانا بتوجهات بعيدة عن روح الدراما المسالمة. 
وجود شركات الانتاج الخاص والعاملة كمنتج منفذ لبعض القنوات وتعمدها إضعاف المنجز الدرامي من خلال حسابات الربح والخسارة على حساب الفنان العراقي وعلى حساب عافية المنتج الدرامي.
 
واحد + واحد واللون الواحد
في هذا المسلسل الذي كتبه الفنان باسل شبيب وأخرجه جمال عبد جاسم ولعب الدور الرئيس فيه الفنان قاسم الملاك يواجهنا سؤال هل هذا النص كوميدي أم أنه نص درامي أقحمت فيه الكوميديا المفتعلة! الجانب الاجتماعي وعظته موجودة في المتن الحكائي للنص في وجود أسرة لها أسرارها وخلافاتها والتي تؤدي بعد ذلك ومن خلال تتابع الاحداث الى صدامات بين أفرادها وصدامات بينها وبين شخصيات أخرى ترتبط معها بروابط عاطفية أو روابط قربى أو روابط عمل، المشكلة في هذا المسلسل هو اختيار الشخصيات المؤدية، فبعضها لم يكن المخرج موفقا في تقديمها؛ لأن هذا الاختيار جاء بقصد توجيه العمل قسرا نحو 
الكوميديا! 
وعلى الرغم من أن المخرج حاول إظهار بغداد ومناطق شمال العراق بشكل جمالي ونظافة متناهية إلا أن هذا التعميم في اختيار مناطق التصوير أوقع العمل في عدم المصداقية وحدد زوايا الرؤية ومساحاتها وتوقف عند البيوت الفخمة والمليئة بالاثاث الحديث المذهّب والملتمع والمشابه في كل البيوتات التي تم تجسيد العمل داخل منافذها، وحتى بيت القصاب كان هو الآخر ينتمي الى بيت فنان تشكيلي أكثر من انتمائه الى بيت قصاب يدير محلا بسيطا لبيع اللحوم!، والكل في ملابس غاية في الأناقة والنظافة حتى في كراج تصليح السيارات، فلا وجود لبقايا الدهون أو المواد المستخدمة في تصليح السيارات من أصباغ وزيوت، كما أن أغلب الممثلين يتنقلون بأحدث المركبات وكأننا في عالم جديد ليس له علاقة بالعراق وتنوعه واختلاف المستوى المعاشي بين طبقاته!، تدور حكاية العمل بين أخوين توأمين أحدهما عاقل ومسالم والآخر حاد الطباع سريع الغضب، لم يستطع الفنان الكبير قاسم الملاك أن يفرز ما بين الاثنين إلا من خلال تغيير الملابس والسلوك نسبيا وإن مال في الشخصية الثانية الى المبالغة واستخدام مفردات هدفها الإضحاك لخلق حالة من الجذب للمتلقين (وروحه لأبويه) و (أمداني)، ما تزال شخصية رجب عالقة في أذهان العديد من العراقيين للفنان الكبير قاسم الملاك والتي أحبه المتلقون لأجلها ولأجل شخصيات أخرى تليق بموهبته قدمها في أعمال سينمائية ناجحة (حب في بغداد) و(فائق يتزوج) و (ستة على ستة)، مر المسلسل مرورا خجولا على المتلقين بعد أن أوضح حكايته منذ بدايات الأحداث وسقط في التكرار والمط والتوقع، رغم التماعات الاداء لبعض الفنانين المتميزين الذين جمعهم العمل مثل بتول عزيز وجمانة كريم وشروق الحسن ومازن محمد، ولم يكن دور الفنانة آسيا كمال يرقى لموهبتها، وأدى باقي الممثلين أدوارهم بالحدود المرسومة لهم وجاءت النهاية على طريقة الأفلام المصرية في الخمسينيات، فقد تجمع الكل في طائرة مع العرسان، ولاندري هل كانت الطائرة خاصة أم من طائرات الخطوط الجوية العراقية!!، على الفنان مخرجا كان أم ممثلا أن يعيد النظر في اختياراته وما يقدم وما هو الجديد والمبتكر فيما يقدم، أما التفكير في الظهور والربح من دون احترام للتاريخ الفني والمكانة فذلك ليس في صالح الدراما العراقية ولا تاريخها، ولايمنحها فرصة المنافسة والتميز مع الأعمال العربية التي تطل علينا بقوة وجرأة .. 
 
أحلام السنين وغياب الرؤية
شوقي كريم كاتب عراقي متميز وعلي أبو سيف مخرج تشهد مسلسلات "الدهانة" و"رباب" و"رازقية" على كفاءته، ولكن أحلام السنين جاءت لتهز هذه القناعات وتثير لسعات الاسئلة عن مسلسل جمع العديد من نجوم الدراما العراقية المزكاة مواهبهم مثل الفنانين محمود أبو العباس وفلاح ابراهيم ومهدي الحسيني وهناء محمد وسمر محمد وأنعام الربيعي وأياد الطائي وحسين عجاج ومجموعة من الشباب وإعلاميات نقلهم الى موقع التمثيل لغرض تجديد 
الوجوه! 
وتولت شركة انتاج عراقية كمنتج منفذ لانتاج المسلسل وكانت (الام بي سي عراق) هي الجهة الممولة للانتاج الذي جاء متواضعا في أغلب المواقع والزوايا المحصورة مع تعدد الألوان في الاكسسوارات وخلو الاماكن من الحياة، ثم فجأة وفي مشاهد تالية نرى تغييرا بوجود متعلقات جديدة وتوزيع عدد من الحيوانات والاكسسوارات فيها، وهذا أيضا ينطبق على وجود شخصيات ظهرت بعد مرور ما يزيد عن التسع حلقات كزوجتّي الشيخ وخاله، وحيرتنا شخصية الملا فلا هو معلم للصبيان ولا هو صاحب ضمير معارض للشيخ وطريقته في قيادة الامور وظلمه للآخرين، ولا هو شخصية كوميدية تنضم الى لصّي القرية الباحثين عن الغنائم بين الدجاج والحمير؛ لذا ضاع الممثل في تجسيد الشخصية وتقديمها!
من المفترض إن كان ثمة خلل في بناء الشخصيات أن يقوم المخرج اذا كان عارفا أن مهمة الإخراج ليس تنفيذ ما جاء في الورق المكتوب بل تقديم قراءة جديدة تلعب بها لغة المرئي التعبيري وتغيير البناء والحذف والاضافة دورا كبيرا لترصين المكتوب وجعله مقنعا، جاءت بعض الشخصيات الدرامية من دون أن يكون هناك مبرر لوجودها كشخصية الصبية التي تتابع القطار وتسأل عن طرقه البعيدة!، الشاب الذي كان يغني طوال وجوده (كان الصوت لمطرب آخر) بالمسلسل من دون عمل في الأرض وهو فلاح وأصحابه والعارفون بحاله يعملون، فيما يفترض أنها أرض زراعية وليست جزءا من بستان، لم نعرف لماذا هناك محاولة لأخذ الثأر من الشيخ ولأجل ماذا تم القتل، هل بسبب حب المرأة والتنافس على نيل قلبها وهي المتزوجة أصلا أم من أجل نيل السلطة والتربع على ديوان المشيخة، وماهو ذلك السر مابين الشيخ وسركاله، ولماذا وافق الشيخ وبكل سهولة على دفع فدية ظل ينكرها طوال الوقت ويزيحها كتهمة 
عنه؟
ثم كيف ينتهي الامر بهذه السهولة بمقتل الشيخ على يد زوجته الصغيرة التي لم نره يعذبها أو يمارس معها ما فيه قسوة واغتصابا؟، ثم نقف أمام ذهاب الشابين اللذين تعرضا للظلم والإهانة على يد الشيخ وفي ديوانه وأمام الجمع الذي لم يحرك ساكنا لنصرتهم الى المدينة وكل يذهب الى جهة ثم حين يلتقيان والفترة ليست بالطويلة لا يتعرفان على بعضهما وليس ثمة تغيير دراماتيكي لدى الآخر يضلل في معرفته، وحبكة في صياغة حكاية داخل حكاية ليكتشف الفلاح القادم من أعماق الناحية أن الرجوع الى تلك الناحية البعيدة التي جاء منها هو أكثر أمانا رغم وجود الشيخ وظلمه وبعد مقتل ابن عمه بسبب الغيرة والتنافس، النص تشتت في عدم معرفة البيئة ودراستها والغور في أعماق الاحداث وقيادتها وجاءت مشاهد المدينة مبتسرة ومحددة والعلاقات سريعة وغير مقنعة، وجاء الإخراج متعجلا غير متأمل ولا متعمق في ايقاع بطيء وتركيبة مشهدية مرتبكة وانتقالات درامية متوقعة وغاب عنصر الشد والتشويق ومضى العمل في توجهه تاركا العديد من التساؤلات التي تحتاج الى إجابة!، وإذ نبارك كل الجهود التي تبذل لتقديم دراما عراقية رصينة لكن لا بد من تشخيص حالات الضعف والاخفاق لوضع الدراما العراقية على السكة الصحيحة من دون مجاملات وتبريرات، الدراما العراقية تحتاج الى دراما تورك يتابع وينّبه الى عادات وتقاليد موجودة في الجنوب العراقي الذي تميز بخصوصيته بيئة وحضورا إنسانيا بعيدا عن الاجتهاد الذي ينعكس سلبا على العمل 
الدرامي.