فشل النيوليبراليَّة!

الخميس 09 تموز 2020 258

فشل النيوليبراليَّة!
علي سعدون 
 
يشيع مفهوم الأنسنة على نطاق واسع في الدراسات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويقف هذا المفهوم قبالة التوحش بقوة لافتة، لا لأنه نقيضه فحسب، إنما لأنه المفهوم الذي تستقر عنده المحاولات الإنسانية في كبح جماح التغول والتعاظم الوحشي الذي يبثه الشر في كل حين على مدى التاريخ. الأنسنة إذن حالة من حالات الحاجة الماسة الى فضاء آخر ورؤية أخرى للحياة بعد أن أفسدها الإنسان بطريقة او بأخرى، وهو ذاته الذي ابتدع في يوم ما مفاهيم ذات رنين عال مثل الديمقراطية والليبرالية وحقوق الانسان وثراء الانسانية وعطائها ومحاولاتها لتدجين الصورة الشريرة التي ظلت عالقة في ذهن الانسانية في مجمل عصور الانحطاط في الكون.. 
آخر صرعات الإنسانية هي الأنسنة، حتى وإن جاء بعدها مفاهيم واصطلاحات ضمن الإطار الحداثي، فهو لن يتخلص من ربقة عنفوانها وأهميتها في بسط رسالة السلام على نحو واسع وكبير مقارنة بما يشاع من أفق معتم يتمثل بالقسوة المفرطة على الإنسان والطبيعة وأنساقهما القارّة. فما الذي تعنيه على وجه التحديد خطورة الليبرالية الجديدة في عالم مسدود الأفق في آفاق انسانيته التي تصطدم كل يوم بمعانٍ متعددة للوحشية والعنف والقساوة؟ 
ما الذي سيجيء به هذا العالم الجديد على المستوى الديمقراطي (النيوليبرالي) غير حفنة من تنظيرات يستقوي بها المتنفذون على حساب انكسار الفقراء المزمن في دول أوربا وآسيا ومعظم الدول الشرقية، فضلا عن خطورة ان يتراكم هذا الوضع بحجج واهية معظمها يصب في رؤية واحدة مفادها: إنعاش الاقتصاد بسبب الكساد الذي تسلل الى السوق العالمية منذ ثلاثين عاما على الاقل، والذي أفتُعلت حروب بسببه وأزيحت حقائق وتم طمس مساحات بالغة الأهمية من التاريخ. يجري ذلك على الدوام في الرؤية الاقتصادية التي تنعكس على ثقافات الشعوب ومصائرها ومستقبل أبنائها، بل ويشمل ذلك أعرافها وتقاليدها التي تتأثر بحجم معاناة الناس وانشغالهم بسبل العيش أكثر من انشغالهم بهوياتهم وأفكارهم ومعتقداتهم على حد سواء. 
الغلبة إذن على وفق هذه الرؤية، للتوحش على حساب الأنسنة، التي بدأت تضيق ذرعا بموجبات ذلك القبح الشاسع الذي يغلف الإجراء السياسي الدولي، من دون أن يحافظ على مسافة معقولة في حياة الأمم على النحو الذي يليق بعمر حضارتها وتاريخها الطويل. 
لقد فشلت الديمقراطية الجديدة في كبح جماح الرأسمالية التي راحت تنشب مخالبها في جسد الجنس البشري من دون وازع من روح العصر وتطلعه للسلام والأنسنة، بل ومن دون الأخذ بنظر الاعتبار أهمية الطبيعة والإنسان بوصفهما أدوات الحياة بكل تفاصيلها ابتداء من الوجود الحي للبشرية وليس انتهاء بنمط الصناعة والزراعة التي تتكئ عليهما إجراءات الاقتصاد في دول العالم. المهم في قاموسها أن الاقتصاد كلما تزعزع وأصابها الكساد، ستنزع بقوة الى التوحش في طرائق انتصارها الجديد على البشرية مثلما في كل مرة. وهكذا تستمر دائرة التوحش بوقاحة منقطعة النظير وجبروت لا حدود له في التصدي لكل ما ينشده الانسان في تطلعه لتحقيق الكرامة والعدل والعيش الكريم. هذا التناغم بين النيوليبرالية، وتوحش الرأسمالية سببه الاول هو التسليم المطلق بخضوع لقرار السياسي أمام سلطة المال سيئة لصيت، ومن ثم تأجيل فعالية الأنسنة لصالح التوحش القبيح.