تجربة السايبر

السبت 11 تموز 2020 117

تجربة السايبر

حسن جوان
 
يتقدّم الأمن السيبراني أولويات المواجهة في خطوط الصدّ لدى جبهتي العالم في هذه المرحلة. ومن المفارقة استعمال ذات المصطلحات الحربية في هذه المواجهة بالتزامن والتوازي لاحتدام اجتياح العالم للوباء ذي الفيروس المضعضع للأسس العلاقاتية والتنافسية في العالم. غالب الناس استغرب قبل عقود من استعارة النظم الحاسوبية لإعطاب تلك النظم القصدية او التلقائية استعارتهم مصطلحات تتعلق بالنظام الصحي البايولوجي مثل الفيروس من قبيل صدفة غير مفهومة آنذاك. 
في الوقت الذي لم يزل العالم منشغلاً بإحصاء ضحاياه من وباء غير مسبوق في العقود الأخيرة، بل ولم ينجح فعلياً في مغادرة مستوى الصدمة في احتواء الجائحة الوبائية حتى في أكثر البلدان تقدماً في أنظمتها الصحية، لم يفت في هذا الوقت بالذات مؤسسات عسكرية غير تدميرية بالمعنى التقليدي استثمار هذه الفوضى بتبادل تجربة إحدى أعتى الهجمات الالكترونية تدميراً للنظم العميقة للدول، والتي قد تنال من برامجيات قادرة عبر قوتها اللامرئية على إيقاع أفدح الخسائر المادية بأهدافها عن بعد عبر "فيروس" مجهول الهوية والمصدر. هذه الهجمات السيبرانية تتشابه كثيراً وبمناسبة مؤاتية هذه الأيام بما قد يحدثه فيروس وبائي بجسم الإنسان ويحوّل أنفاسه الى مصدر للموت نفسه. هكذا هي فيروسات السايبر، تفعل فعلا مشابها بأهدافها العسكرية والمدنية على حد سواء. هذه القذائف الالكترونية معتادة منذ زمن غير بعيد ممثلة عبر تاريخ من تبادل اللكمات ومحاولات التجسس بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي السابق وحتى الان. وهي لعبة "شطارة" بينهما وضرب تحت الحزام بين خبيرين او عدوين تقليديين تصالحا على ديمومة الحرب والتنافس ضمن إطار سلمي معلن وحربي غير معلن. ربما انضمّت الصين الى هذا النادي مؤخراً عبر تكتيكاتها غير المعتادة والمزعجة للولايات المتحدة. على أن التجارب الأكثر قرباً منا نحن العراقيين كانت في محيطنا المنشغل بشتى المواجهات المعلنة، لكن غير تلك التجربة السيبرانية التي تبادلها كل من إيران وإسرائيل. حدثت تلك التحية المتبادلة بين الطرفين قبل أسابيع كجزء من الحرب المعلنة التي لم تبدأ بألعابها النارية بعد، إنما هي اختبار للقدرات المتعددة لدى كل منهما في حال فتحت جهنم أبوابها. مرّت التجربتان بسلام محدود، وكل طرف تلقى الضربة بتماسك يعلم وحده شدة المغص ولياليه اللاحقة. قبل سبعة عشر عاماً لم يكن العراق عضواً ملحوظاً في اعتماده منظومة الكترونية ذات قيمة عسكرية مهمة، لكن الولايات المتحدة الاميركية عندما قررت إسقاط النظام فيه عسكرياً، عطلت أكثر من نصف الجهد العسكري للنظام عبر هجمة الكترونية أعادته الى مرحلة ما قبل الصناعة بحسب تعبير أحد مسؤولي الإدارة الاميركية ذاك الوقت، وقد نجحت بذلك فعلاً قبل أن تجهز على المتبقي في حربها الخاطفة، كل هذا حدث لبلد لا يتّكل كثيرا على منظومة عسكرية او مدنية الكترونية وقتها.. إذاً لنقدّر الفداحة في طبيعة الحرب المتبادلة بين طرفين او عدة أطراف يعتمدون كلياً في حياتنا المعاصرة على الأنظمة القابلة للاختراق الفيروسي لأنظمة الأمن السيبراني في دول نووية!