العولمة ومدار التفكير العربي

السبت 11 تموز 2020 170

العولمة ومدار التفكير العربي
علي لفته سعيد
 
لا يمكن فصل مفهوم العولمة من وجهة نظر تفكير عربي عن كونها محاولة لأن تكون الأفكار ومنطلقاتها سواء العقلية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وحتى الفنية والأدبية على أنها تبعيةٌ للآخر.. والآخر المقصود هنا هو الغرب كونه أكثر تقدّمًا والذي يسعى الى تحويل العالم الى قريةٍ صغيرةٍ يكون هو المسيطر فيها على الثروات، ومن ثم على العقول.. 

وعلى الرغم من أن العولمة لها جذورٌ تاريخيةٌ قديمةٌ تبدأ منذ زمن السومريين حين توطّدت علاقاتها مع حضارة وادي السند الاقتصادية في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهو ما ذكره الباحث الاقتصادي أندري جندر فرانك، فيما قسم توماس فرايدمان تاريخ العولمة إلى ثلاثة أقسام هي: العولمة الأولى (1492-1800)، والعولمة الثانية (1800-2000)، والعولمة الثالثة (2000- الوقت الحاضر)، وأوضح بأن العولمة الأولى هي عولمة الدول، أما العولمة الثانية فتشمل الشركات، بينما تشمل العولمة الثالثة عولمة الأفراد.
إن ما يهمنا في ذكر هذه التفاصيل هو أن العولمة الحديثة التي بدأت في عصر النهضة الصناعية الغربية، ومن ثم التجارة العالمية وما سبقها من طريق الحرير كانت تبحث عن ملاذات أخرى يكون فيها الاقتصاد هو المحرّك العالمي .. ولا يمكن مغافلة هذا الرأي وتجريده من التفكير السياسي الذي بدأ بعد الحربين العالميتين والبحث عن الاستقرار السياسي زاد من عملية الاعتماد على العولمة كجزءٍ من المحافظة على الاقتصاد .. حتى تطورت الى ما هي عليه الان.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه.. ما هو مفهوم العولمة في العقل العربي؟ وكيف يفسر حيثياتها ومقدماتها وآلياتها ومآلها؟ وما هي الطرق الكفيلة لتفكيك السلبيات من الايجابيات؟ وكيف هي الطرق التي يتوجب على العقل العربي سلوكها لفرز الايجابيات من السلبيات وسط الصراع الدائرة على كل شيء بما فيه تعريف 
الوطن؟
إن العولمة تبقى في العقل والفكر والمفهوم العربي على أنها تبعيةٌ للآخر والاستسلام لأفكاره.. حتى أن العولمة تشابكت مع المفاهيم الأخرى ليتطوّر مفهوم العولمة الى الأجناس الفنية ومنها الأدبية كلّما جدّ جديدٌ أو طرح فكرةٍ ما يراد لها أن تكون عالميةً على أنها جزءٌ من العولمة، ومن ثم جزءٌ من التبعية.. وبالنتيجة إنه خضوعٌ تامٌّ للأجنبي المخالف لنا في كلّ شيء في الدين والعقيدة وهي بذلك مؤامرةٌ لدفن التراث والتاريخ والحضارة العربية.
إن الثقافة العربية هي جزءٌ من الوعي العربي الجمعي والجذر العربي يؤثّر على الثقافة، وبالنتيجة على الوعي العام، رغم وجود الصراعات والاختلافات.. لكن الحاصل في تغليب النسبة العامة على النسبة الخاصة هو أن السمة العربية تمتلك من التعصّب ما يجعلها لا تهضم ما هو جديد على الساحة العالمية والافادة منها بحكم كلّ المرجعيات التاريخية والصراع الذي قد يكون واحدا من أسبابه هي الدول الأخرى في تغذية هذا المفهوم لدى المنظومة العربية. وهو ما يعني بالنتيجة أن المثقف العربي هو جزءٌ من الواقع العربي، وبالنتيجة أيضا أنه ظلّ أسير هذه الأفكار والطروحات، رغم أن العالم الآن لم يعد قريةً صغيرةً بل مساحةً لا تزيد على ثلاثين سنتمترًا مربعًا كمساحة شاشة الكيبورد، إن لم تكن أقلّ من أربعة أصابع كمساحة شاشة الهاتف النقال. وأمام الأسئلة السابقة يطرح سؤال جديد.. هل تمكّن العقل العربي من مجاراة العالم بعيدًا عن المرجعيات المسبقة؟ الجواب هنا لا يراد منه التأييد الأعمى للطروحات الغربية إن صحّت التسمية، بقدر ما هي مجاراة الواقع وتحويله الى نسبة نجاحٍ للمجتمعات، لأن ما يحصل هو أمرٌ واقعٌ لا مفر منه. ولذا يمكن القول إنه حتى الآن لا نحن من الذين أنغمسنا مع العالم في استغلال مفهوم العولمة الجديدة المعتمد على التقنيات وتسارعها ومنتجاتها وتطوّراتها، ولا نحن حافظنا على ما كان لنا من تاريخٍ وتراثٍ وحتى ميثولوجيا، للبدء في تحولات فكرية وعلمية وحتى إبداعية.. بل حتى الأشياء الجديدة لدينا كالاختراعات تعتمد على ما يصدّره الآخر إلينا. وصرنا في حالة انفصام بين ما نحمله من جذرٍ تاريخي، وبين ما نعيشه من فرص العولمة في كلّ شيءٍ، بدءًا من ماكدونالد الى آبل وايفون وبالنتيجة والاجيال المتلاحقة من التقنيات الحديثة. إن تسارع هذه الخطى جعل المسكّن العقلي العربي يعيش ازدواجية هذا التطوّر، لأنه أيّ تطوّر الآن في أيّ مجال من مجالات الحياة لم يعد مقتصرًا على دولة التطوّر والاكتشاف، بل يكون مهمًّا لكلّ المجتمعات.. فعندما يوجد علاج للثلاسيميا أو الآيدز او إيبولا فإن ذلك يعني فائدة كلّ المجتمعات العالمية.. وما ننتظره في الوقت الراهن من علاجٍ لفيروس كورونا من هذه الدول التي تحوّلت الى مربّعٍ بحجم الكفّ في المعلومات وانتقالاتها.
إذن أين المشكلة؟
إن المشكلة تكمن في التقابل الذي يكون فيه الاتهام من الجانبين السياسي والديني.. بمعنى أن المشكلة العربية هي أن كلّ شيءٍ مؤامرة على المجتمعات وتقاليدها وعلى دينها ومذاهبها ومن ثم عدم التفريق بين ما هو فائدة للإنسان في هذا الجانب من العولمة وما يندرج تحت يافطة السيطرة التي تفرضها القوّة سواء العسكرية منها أو الاقتصادية.. بمعنى أنه ليس لدينا القدرة على التفريق بين القوّة المهيمنة أو الهيمنة الاستعمارية بمفهومها القديم، وبين الفائدة المجتمعية، رغم أن كل العالم يستخدم ذات جهاز الهاتف النقال والانترنت ويعاني من الكورونا، بمعنىً آخر ان البلدان لا تعيش على الماضي وما كان حافلًا فيه من بطولاتٍ وأمجاد، بل بما تمتلكه اليوم من عوامل المواجهة والقبول معا.. ولأننا أمّة صوتٍ فإن الاعتقاد بأن كلّ شيءٍ هو ضدّ الحضارة هو مأ أثّر بشكلٍ أو بآخر بالمنتج الثقافي العام الذي يخاف من أيّ تطلّع، فلا يلجأ الى التفريق باعتبار أن العولمة على أنها اختصار العالم والاستعمار والسيطرة على الثروات والخيرات والعقول وأنها سيطرة اقتصادية وبثّ أفكارٍ غريبة على المجتمع وبذلك فإن الفرد العربي العام والمثقف بشكل خاص، يعي أن الأمة تعيش على الهامش العالمي وأنه بهدوءٍ يحاول أن يلج العالم، وهذا الأمر قد يكون للفرد العربي الذي يعيش في المهجر أسهل منه لدى من يعيش في دولته التي تسيطر عليها لغة الصوت العالية الخائفة من كلّ ما هو جديد مختلط مع المؤامرات التي تبدو في أحد أوجهها صحيحة لكن ليست جميعها بكلّ تأكيد.. بمعنى انه حين يستورد الصناعات المتطوّرة يعدها تبادل منفعة، لكنه يشكك بالصانع من دون أن يفرّق بين السياسات الاستعمارية والهيمنة، وبين السلوك الاجتماعي العام، فيطرد كلّ ما هو جديد ويدخله في خانة الشك والظن، حتى يثبت العكس، حينها تكون الموضوعة قد تجاوزت زمنها وجيء بشيءٍ جديد، وهو ما يجعلنا نبقى حالة استهلاك لكلّ الطروحات القديمة التي مضى عليها أكثر من عقدين أو ثلاثة، في حين أن العالم يصارع لاستقبال الزمن الآتي.. ولهذا يبقى هناك من لا يريد للإنسان العربي أن يطّلع على الإبداع العالمي، لأن كلّ شيءٍ يعدّه ضدّه وأنها عولمة استعماريَّة.