مفتاح السعادة

الاثنين 13 تموز 2020 186

مفتاح السعادة
عبدالهادي مهودر
 
مع حلول شهر تموز من كل عام يتجدد الجدل حول أزمة الكهرباء بين (الوطنية والمولدات الأهلية) وفي السياسة بين أنصار الملكية والجمهورية القاسمية، ويبدو انه جدل لا ينقطع فنقص الطاقة الكهربائية اصبح قضية مركزية ودائمة للأمة العراقية وجدل الملكيين والجمهوريين كذلك حيث كل طرف يأخذه الحنين الى تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس.
ورغم كل ما انفق على إصلاح الكهرباء من اموال وارواح (وصلوات) منذ نصف قرن لم يتحقق هدف استقرارها وحلها بشكل نهائي، كما انها بقيت صفحة من صفحات التنافس الدولي في العراق، حيث كشف السفير الألماني في حوار تلفزيوني عن أن اميركا لم تكن سعيدة بحصول شركة سيمنس على عقد تطوير الكهرباء ، ولو ظهر السفير الاميركي لكشف ايضا ان المانيا لم تكن سعيدة بدخول شركة جنرال الكتريك الاميركية على خط تطوير الطاقة في العراق، ولا يمكن أن تكون الصين سعيدة بدخول الشركات الغربية رغم عدم تصريح سعادة السفير الصيني عن سعادتنا الكهربائية حتى الآن، والنتيجة واحدة فالشعب العراقي لم يكن سعيداً بواقع التيار الكهربائي دون النظر لجنسيات الشركات وفي أشهر ارتفاع الحماوة الوطنية ترتفع معاناته من الانقطاعات المستمرة دون رؤية ضوء مستقر في نهاية النفق الكهربائي الطويل .
ومع ضيم الكهرباء تعزف في شهر تموز من كل عام نغمة الحنين لأيام الملك والزعيم وكل فريق يمني النفس بعودة الملكية او عودة الجمهورية ، ويتباهى الملكيون بنشر صور افراد الاسرة المالكة بملابسهم الأنيقة ويتباهى الجمهوريون بالزعيم الأنيق بزيه العسكري وبإنجازات الطرفين التي تكاملت وسجلت في ذاكرة العراقيين حدث توزيع الاراضي السكنية على الفقراء وتأسيس المدن والأحياء الشعبية، وعلى الرغم من تقاطع الطرفين وتحميل كل منهما الآخر لما آلت اليه أوضاع العراق ، لكن النتيجة واحدة ايضاً مثل نتيجة مشكلة الكهرباء، فالشعب العراقي لا أحد ينشر صور أفراده في العهدين ولا صور مستوى معيشته ايام الملكية والجمهورية، والعجب كل العجب من الحنين لعهد يظهر فيه الحاكم واسرته بملابس أنيقة وحياة مرفهة وتحجب فيه صور الشعب في أيام حلمه بكسرة خبز .
الثابت ان خصوم الزعيم بلا استثناء يشهدون له بنظافة اليد وأنصار الزعيم لا يبغضون العهد الملكي كثيرا وان حبهم للزعيم لا يعني بغضهم للملك ، أما انصار الملكية فيحملون ثورة 14 تموز مسؤولية إراقة دماء الملك واسرته وهو الإتهام الذي طالما حاولوا تبريره كتصرف شخصي ولكن دون جدوى .
وقد يكون الدفاع مبرراً لمن عاشوا العهدين وذاقوا المرارة او الحلاوة او كانوا من اصدقاء الملك او اصدقاء الزعيم او من ايتامهما ، لكن الغرابة في الدفاع المتواصل لدى الأجيال اللاحقة الجديدة التي سمعت بالعهدين ولم تعش وترى الحياة في ظلهما ، مع إن العراقيين لم يكونوا سعداء ولم يتذوقوا طعم الاستقرار والرفاهية في جميع العهود إلا فئات قليلة منهم وفي فترات استثنائية تمر كلمح البصر ومثل فاصل ونواصل ، غير إن آمال العراقيين في الخلاص كانت تلوح بين حين وآخر في مختلف العهود وكانت تولد وتموت فجأة وتشتعل وتنطفئ فجأة مثل التيار الكهربائي .. ولكن استمرار الآمال والأحلام بغد أفضل نعمة وحسنة من حسنات عدم وجود حلول سياسية وكهربائية دائمة.
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل، كما يقول الشاعر ( ابو اسماعيل الطغرائي ) صاحب كتابي ( الوافي والوفيات ) و(مفتاح السعادة ) الذي عاش ببغداد في القرن الرابع عشر ومات في القرن الخامس عشر أي قبل ولادة ووفاة الملك والزعيم والسبلت رحمهم الله جميعاً.