الهجرة النفسيَّة!!

الاثنين 13 تموز 2020 194

الهجرة النفسيَّة!!
أسعد الجبوري
 
دون كيشوت: أتعرف ما الذي يدور برأسي يا سانشو؟
سانشو: مروحة .
دون كيشوت: اللعنة عليك أيها الأحمق .أقصد الأفكار التي تنتابني الآن.
سانشو: ومن أين لي أنْ أعرف.هل تراني عرّافاً أم كاشفاً للغطاء؟
دون كيشوت: معك حق. فربما دابتك التي أنت على ظهرها منذ قرون، باتت أكثر ثقافة ومعرفة منك يا سانشو.
سانشو: أجل يا سيدي الدون. فالأمية وحدها هي التي أبقتني تابعاً لك وأنا أدور في دورة هذه الطواحين العبثيَّة.
دون كيشوت: إذا كنت ضجراً ومللت من الحروب، فيمكنك أنْ تهاجر.
سانشو: ما من مكان بات صالحاً للهجرة أو للتهجير. قد أقفل هذا الوباء الكوروني كل حدود العالم، فبات المرء عاجزاً عن تخطي حدود باب البيت أو فعل شيء.
دون كيشوت: إذاً هاجر إلى نفسك.
سانشو: وكيف أفعلُ ذلك يا سيدي الدون. هل أبتاع لنفسي سيفاً لأشقَ به بدني إلى نصفين، فأدخل مهاجراً في جسدٍ مضرج بالدماء؟
دون كيشوت: لم أقصد ذلك. ما أردت قوله أنْ تهاجر في باطنك نفسياً.
سانشو: وما معنى نفسياً. أيكون على من هو في مثل حالي أنْ يحاكي نفسه عن أهوال الهجرة ومصائب التهجير؟
دون كيشوت: ألم تقرأ شيئاً من كتب عالم النفس د. سيغموند فرويد أو تملك معلومات عن الطبيب العراقي الشهير (جاك عبود) يا سانشو؟
سانشو: لا لم أعرف فرويد. ولكنني سمعت جاري يتقاتل مع زوجته، ويهددها بالطبيب جاك عبود مبتكر الصدمات الكهربائيَّة لعلها تستفيق من غرورها على يد ذلك الطبيب العراقي الذي سبق وأنْ مارس العمل مع طبيب ألماني (هانز هوف) الذي كان تلميذ فرويد المختص بالأمراض العقلية والعصبيَّة.
دون كيشوت: وماذا حدث بعد ذلك؟
سانشو: لم تكترث المرأة بتهديدات البعل ولا بصدمات الكهرباء، فكل ما فعلتهُ أنا هو الحجز ما بين الاثنين وسحب الزوجة لتشرب كأس ليمون في منزلي، بعد أنْ غادر زوجها البيت مسرعاً.
دون كيشوت: وإلى أين غادر الرجلُ. ألمْ تعرف الوجهة التي ذهب إليها؟
سانشو: أعتقد أنه غادر للمستشفى، بعد أنْ هدد زوجته باصطحاب طبيب المخابيل للبيت، كي يعالجها نفسياً.
دون كيشوت: وماذا فعلت أنت بالمرأة يا سانشو؟
سانشو: لم أفعل شيئاً، فما أنْ هدأت المرأةُ، حتى عادت لمنزلها وهاجرت بذكريات الحبيب الأولي مع سيل من الدمع.
دون كيشوت: اللعنة عليك يا سانشو، كيف تترك جارتك تبكي على الحب القديم؟
سانشو: خفتُ من التدخل بالحب وحرائقه، خوفاً من أنْ تنال مني النار وأحترق بجارتي الحزينة.
دون كيشوت: كان عليك معالجتها نفسياً على طريقة الدكتور جاك؟!
سانشو: أجل. فقد قمت بتنويمها مغناطيسياً بدلاً من الصدمات الكهربائية، وما أنْ تم ذلك، حتى دعوتها لركوب زورق والإبحار بنهر دجلة، على أنْ تتخيل فتأخذ دور البطولة (كيت وينسليت) في سفينة تيتانيك.
دون كيشوت: وأخذت أنت دور النجم الرومانسي (ليونارديو ديكابريو) كي لا تشعر بالغرق وتموت تحت تلك المياه المتجمدة. أليس كذلك؟
سانشو: أجل. تلك كانت النهاية.
دون كيشوت: لو كنت نهراً جارفاً، لسحبتكما نحو القاع واسترحت، فالغرق هو الهجرة التي تليق بك وبها.
سانشو: وأنت. ألا تريد الهجرة يا سيدي الدون؟
دون كيشوت: أجل. ولكن عليّ أولاً تحضير حقائب تستوعبُ كلّ تلك الطواحين. لا يمكنني الرحيل وترك تاريخي يئن على لسان 
الريح.